• 13 آب 2022
  • ثقافيات

 

بقلم :  الكاتبة نزهة الرملاوي

 

تحية كبيرة بحجم السّماء إلى الإنسانية أينما وجدت، الانسانية الحقة لا تمثل طائفة أو حزبا أو ديانة، الإنسانية سلوك حسن ينبت مع الأخلاق النبيلة..

ايفا شتال/ حمد، أممية لم تغادر التل، كتاب أعده وقدّمه الأستاذ المحامي حسن عبادي، حرره ونقّحه الأستاذ فراس حج محمد، وزينت غلافه لوحة للفنان الدكتور يوسف عراقي صدر عام 2020.

قبل الدخول إلى الكتاب وتصفحه، لا بدّ من الإشادة بمبادرة الكاتب حسن عبادي الحيفاوي الذي نشر بتاريخ 30 تموز إعلانا على صفحته بعنوان (لكل أسير كتاب) وتعدّ هذه المبادرة الثقافية الانسانية الأولى من نوعها، حيث يقوم العبادي بايصال إصدارات الكتاب للأسرى القابعين خلف القضبان، طوّر الأستاذ مبادرته، وقام بالتعاون مع بعض الكتاب والنقاد بنشر مؤلفات الأسرى وتنقيحها وطباعتها ومناقشتها في النوادي الثقافية، ومع اتحاد الكتاب في الأردن عن طريق الوسائل الالكترونية الحديثة كبرنامج Zoom.

من هنا تتكشف لنا شخصية الكاتب حسن العبادي الانسان، الكاتب المتطوّع المحبّ للخير وايصال السعادة للآخرين.

الكاتب المحامي لا يكتفي بما أشرت إليه، بل يوثّق لقاءاته بالأسرى ويكتب عنهم وعن معاناتهم في الأسر ويعرف القارئ عليهم وعلى عدد السنوات التي حكموا بها، وعن الأمراض التي لحقت بهم نتيجة الإهمال الطبيّ، كذلك بيّن لنا إنجازاتهم والدرجات العلمية التي حصلوا عليها أثناء أسرهم.

 الكاتب يؤرخ تواصله مع ذوي الأسرى أيضا، ولم يستثن الأسيرات من زياراته والتحدث إليهنّ، بل سلّط الضّوء عليهن، وكتب عن أحلامهن وآمالهن في التحرر.

إضافة إلى ما ذكر، لا يبخل الكاتب عن تقديم قراءات عميقة ومثرية وموضوعية ذات فائدة لكتب وروايات تقع بين يديه.

وبالعودة إلى كتاب ايفا شتال حمد الناشطة السويدية، الشاهدة على احداث دامية في مخيم تل الزعتر في جنوب لبنان. ارادت ايفا خوض تجربة التطوع، معتقدة قبل ذهابها أنها ستقابل مجموعة من البشر متعبين مستسلمين تستشري بهم الكآبة والحزن، لكنها أدركت أنها فكرة خاطئة؛ فكل الذين قابلتهم اتسموا بالمرح والانفتاح والكرم، عاشت بينهم باطمئنان واحترام، أحبتهم فأحبوها، وأصبحت واحدة منهم.

 وصفت الفرح في عيونهم، ورقصهم  وسعادتهم بخطوبتها من الفدائي المقاوم يوسف حمد، وعاهدت نفسها بعد استشهاده أن لا تترك مخيم تلّ الزعتر حتى وإن فقدت زوجها الفلسطيني المقاوم، وجنينها الذي ما أبصر نور الأرض بعد سبعة أشهر من حملها به، أقسمت أن تبقى تحت الصفيح ونار الحرب؛ لكي تكتب للعالم شهادتها وبصدق وإن بترت يدها، كانت أمل المخيم الذي حمل تفاصيل البيوت وقهر ساكنيها وطباعهم ومقاومتهم وثباتهم للعالم.

ايفا حمد، امرأة شجاعة، أرّخت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مخيم تل الزعتر بسردية بسيطة لافتة شائقة رغم الألم في تركيب المشاهد والصور الوصفية هناك.. لذا يعد الكتاب مرجعا مهما لتوثيقه الأحداث بجرأة  للباحثين عن حقيقة المجازر التي ارتكبت بحق الانسانية في المخيم.

 من السمات اللافتة في سردية الكتاب، السلاسة والموضوعية والحقيقة، بحيث اشعرت القارئ أن الصور السردية المقروءة تمرّ أمامه كفيلم سينمائي جمع التاريخ السياسي والمجتمعي الانساني للمخيم ، ووثق حالات القوة والفزع والخوف والصمود فيه، كتبت حروفه من الألم والدم، تطرق الكتاب إلى الملاجئ التي تختبئ فيها وجوه شاحبة تعبة قلقة، ملاجئ ما كانت تستوعب الثلاثين ألفا من سكان المخيم، سردية صورت طرق قتل بشعة، مورست من قبل الكتائب واليمنيين الذين أحاطوا بالمخيم وزعزعوا وجود ساكنيه، قاموا بقتلهم وبتر أطرافهم واغتصاب النساء وبقر بطون الحوامل بين أزقته بلا هوادة.

وصفت ايفا في مذكراتها بيوت الصفيح واكتظاظها، وقطع المياه والكهرباء عنها، بيوت تنفست الألم وعلقت مفاتيح العودة دون يأس أو ملل..وصفت مقاومة النسوة حتى تنال العدالة الانسانية..وهذه التضحية المتغلغلة في الصف الفلسطيني وخط الدفاع المقاوم، واستشهاد الأطفال والشيوخ إثر التطهير الطائفي هناك، متحدثة عن مقاومة الأبطال ووسائل الدفاع المتوفرة لديهم، مشيدة بدور  المرأة البطولي وبذل جهودها من أجل البقاء.

سميرة حمد، أمميّة تناولت بمذكراتها  أحداثا ومجازر كانت ولا زالت في ذاكرة الآلاف من الفلسطينيين، من ضمنها ما وصفته في حادثة عين الرمانة التي راح ضحيتها عشرون طفلا دون ذنب اقترفوه، وأتت بشهادات مؤثرة، كانت موجعة حتى النخاع. 

ايف شتال/حمد  لم تغادر تل الزعتر، بل ظل التل ينبض بألمه في قلبها، حملت في ذاكرتها صور البطولة والمقاومة وإرادة البقاء، شرحتها لعالم مغمض العينين، لا يرى المخيم ولا عذاباته القائمة منذ لجوء أبنائه عام ١٩٤٨ حتى المذبحة عام ١٩٧٦ وما بعدها.

شكرا من القلب لايفا الجميلة الإنسانة ولحسن المحامي المعطاء، ولكل من ساهم في إخراج واعداد هذا الكتاب المرجعي للباحثين في الشأن الفلسطيني، نتأمل أن يترجم الكتاب بلغات العالم لتعريفه بالمجازر التي تعرض لها الشعب الفلسطيني هنا وهناك..