• 10 أيلول 2022
  • ثقافيات

 

بقلم : نزهة الرملاوي

 

 شهادات عن طقوس كتابية لست وثلاثين أسير وأسيرة قابعين خلف زنازين العتمة وتحت سطوة السّجان، الكتاب من إعداد وتحرير الأستاذ المحامي حسن عبادي، والأستاذ الناقد فراس حاج محمد، لوحة الغلاف للفنان ظافر شوربجي صدر عام 2022.

فكرة متفردة جاءت من السّيدة سميرة عبادي التي آمنت بتحرير الأسرى وما خطت أناملهم التي افتقدت الخصوصية، والهدوء النفسي والأمني والأدوات اللازمة  في ساعات الإلهام واقتناصها، وآمنت بمبادرة زوجها المحامي السيد حسن المحامي وبما يقوم به من زيارات متواصلة للأسرى، ومبادرته اللافتة والتي أعلنها بتاريخ 30 تموز 2020 على صفحته والتي جاءت بعنوان (لكل أسير كتاب) وتعدّ هذه المبادرة الثقافية الانسانية الأولى من نوعها، حيث يقوم العبادي بايصال إصدارات الكتاب للأسرى القابعين خلف القضبان، وقام بتطوير مبادرته وذلك بالتعاون مع بعض الكتاب والنقاد أمثال الأستاذ الناقد فراس حاج محمد بنشر مؤلفات الأسرى وتنقيحها وطباعتها ومناقشتها في النوادي الثقافية، ومع رابطة الكتاب الاردنيين عن طريق الوسائل الالكترونية الحديثة.

شكرا لأسرى أتحفونا بكتاباتهم رغم نزف الكلمات وشح الأدوات، شكرا لمن بعث الأمل في نفوس أسرانا، وأنار غرفهم المعتمة وحرر كلماتهم وجملهم فرقصت فرحا عبر فضائنا الرحيب، شكرا لمن زرع الورد والحبّ في درب شائك تحدوه بمواهبهم وتعاون مثقفيهم، وبإرادتهم وثقفاتهم اللافتة وتعلمهم، فكانوا محط أنظار إعجابنا، وظلوا في تراتيل صلواتنا، ومحطات انتظارنا.

كل التحية لأسرانا الذين أفرغوا رتابة أفكارهم وتخيلاتهم ونواتج تجاربهم  الشعرية والنثرية عبر الدواوين والروايات والأبحاث، ونصوص أدبية أخرى كانت متنفسهم. 

بالرغم من تنوعهم الفكري والتنظيمي إلا أن فكرة الكتابة لازمتهم، فخرجت متحدية، مواجهة للصعوبات، أفكار لازمتهم ليدوّنوها بحبر الألم والإرادة على أوراق من الصبر، إثباتا لذواتهم وانتصارهم، السّجان يعرف أن الفكرة إذا ما خرجت من أسير، لن يكون حدودها السّجن أو الأهل، بل ستكون عالمية، تصنع معجزات، لذا تحرمهم سلطة السجون من الكتابة، وهناك الكثير من الصعوبــات  التــي يواجههــا الأسرى، سواء بإخــراج ما كتبوه عبــر القضبــان، وإن خرجت بطريقة أو بأخرى يصعــب تفريغهــا وطباعتهــا، وتنقيحهــا لترى النور إثر نشرها.

 لن ننس رسالة الأسير الروائي كميل أبو حنيش التي بين فيها حزنه على ما افتقد من كتابات ضاعت في زحمة التنقلات من سجن إلى آخر حتى لا يوصل أفكاره إلينا.  وكان ينتظر ساعات المساء بشغفٍ شديد ليلوذ إلى قوقعته فوق البرش ليكتب طوال ساعات المساء وحتى ساعة متأخرة من الليل عن عالمه البنيّ.

أسرانا يعيشـون حالات تفوق الألم فنعجز عن تفصيله، كتاباتهم نتاج قوة وإصرار، فهم الأكثر تضحية، يعيشون حالات قهـر حقيقيـة لا توصف، لكنهم الأشد ايمانا وتمسكا بمبادئهم وانتمائهم.

 يثبتون أنهم الأقوى ثقافة وعلما وإرادة.

هم الأقوى ونحن الضعفاء أمام تحدياتهم وشموخهم..السّباقون إلى الفكرة النيرة، يؤدون طقوس كتاباتهم من واقع مؤلم  وفرح متخيل، من سجن معتم لفضاء بحجم السماء.

وللكاتب الأسير الروائي هيثم جابر كلمات راح يتساءل فيها عن حق الأسرى قائلا: أيحقّ للأسير أن يحبّ وأن يكون له قلب ينبض بالحبّ؟ وفي لحظات الحرب والثّورة أن يكون له زوجة وبيت وأطفال؟ أيحقّ لمن مثله في الأسر أن يحتضن حبيبته في لحظة حلم عابرة ؟

كان يسأل وأنا أركّب صور عزل الأسرى وتعذيبهم ولقاءاتهم المحدودة مع أحبائهم من عمر أسرهم الطّويل، كان يقرأ تساؤلاتي.. فتجيبني أصداء كلماته النادية:

( وحدهم الثّائرون يا سيّدي من يمتلكون القلوب المرهفة،. ويتقنون فن العشق، ويضغطون على الزّناد… وحدهم يا سيّدي يتقنون فن قطف الورد من الخدود القرمزيّة… وحدهم الثّائرون يتقنون زراعة القبلات فوق الشّفاه الجائعة).

مؤلمة هي حكايات أسرانا، أسيرات حرائر تلدن ابناؤهنّ خلف القضبان، لن ترافقها أمّ تقوي عزائمها، ولا أخت تمسح عرقها، سترافقها سجانة بلا قلب ولا رحمة، وسجانون يراقبون ويسمعون  وجعها  ويتمنون لها  الموت، وحرة تهدي فلذة كبدها وردة في رحيل أخير دون وداع.