- 24 آب 2013
- ثقافيات
في حزيران من عام (89)،وفي أمسيةٍ شعريةٍ غيرِ مسبوقةٍ، نَزل الشاعرُ العربي سليمان العيسى ضيفاً مكرَّماً على مؤسسة شومان ،وكان بين أول المرحبين بأبي معن أديبنا المُبدع معالي الدكتور خالد الكركي ،وكعادتهِ دائماً أطلق «أبو عبد الله»العنانَ لقريحةٍ مفعمةٍ بمفرداتِ الروعةِ والإبداع،وفي تلك الأمسيةِ فاجأ سليمان العيسى الحضورَ بقصيدةٍ جميلةٍ وطويلةٍ من شعر ِ التفعيلة عنوانُها «طفلةٌ وشاعر»،قدّم لها بقوله :القصيدةُ هذه المرَّةَ أغنيةٌ مُهداةٌ من سليمان العيسى إلى صديقته الطفلةِ الأردنيةِ (عوالي) ،أقتبسُ هنا بعضَ ما جاء فيها :في بلدي الغالي ...في عمان َ الحُلوةِ...عَمَّانَ المْنثُوَرةِ دُرَّاً أبْيَضَ...دُرَّاً أخْضَرَ...تْطفُرُ من رَبْوَةٍ...لِتَحُطَّ على رَبْوَهْ...في هذي ْ الزَّنْبَقَةِ العَطْشى للشَّمْسِ...ولي فيها أصْداءُ أناشيدِ...وصغارٌ في فَمِهِمْ أَ حيا شِعْراً...ومواسِمَ تَغْريدْ...في بَلَدِيْ الغالي ...مَنَحتنْي سَوسَنَةٌ سمراءُ صَداقَتَها ...أصْبْحَتُ صديقاً لعوالي .إلى أن يقول في آخرا لقصيدة: وأنا بِصِغَاريْ...بعوالي...بشقائقَ نُعمانٍ يَمْلأْنَ تُرابَ غَدِيْ...وطنيْ الغالي أتنفسُ مِلءَ فمِيْ...أحيْا...فَخُذِي يا حُلْوةُ أُغنِيَتي...قُبُلاً لرفاقك...أنى كانوا في وطنِ الشمسِ الغالي...مَعَكُمْ سأُواصِلُه سَفَري...وأظَّلُ صديقاً لعوالي.
لقد سعدتُ في تلك الأمسيةِ بما أمتعنا به هذا الشاعرِ العروبي ، وبقدرِ ما كنتُ فخوراً بسماعهِ،إلا أنني لم أتفاجأْ بالقصيدة،لأنه سبق لعوالي وأن تلقتها مكتوبةً بخطِّ يدِ الشاعر قبل عامين من تلك الأُمسية ، في حكايةٍ سآتي على ذِكرها لاحقاً،لكنَّ المفاجأة كانت لسليمان العيسى نفسِهِ عندما نهض أحدُ الحاضرين ليشكرَ شاعرنا الكبير ،وقدّم نفسه إليه بصفتهِ والد الطفلةِ»عوالي هاشم القضاة»وكانت هذه هي المرَّة ُ الأولى التي يرى فيها سليمان العيسى وجهي المثقل بتعب السنين،ولم تمضِ بعد ذلك اللقاء سوى أيامٍ قليلةٍ وبالتحديد في 21/6/1989حتى نشر معالي الدكتور خالد الكركي مقالةً جميلةً في جريدة الرأي وجَّهها إلى الشاعر الكبير سليمان العيسى تحت عنوان (نشيد الجمر)،وهي مضمَّنةٌ في كتابه الصادر عام 1990 عن مكتبة الرأي تحت عنوان أوراق عربية:أقتبسُ منها هنا بعضَ ما تعلَّقبقصيدة سليمان العيسى المُهداةِ إلى عوالي،بقوله مخاطباً شاعرنا الكبير:(نُصغي إليك وأنت تقرأ تحيتَك لعوالي ،الطفلةِ الأردنيةِ التي تَعرفُ فلسطينَ من أناشيدك وطناً عربياً يمتدُ في دمِ عز الدين القسّام إلى دمِ عبد القادر الحسيني،ومن اليرموك إلى الكرامةِ، وتعرف ُ يا أبا معن أنّ ليل الاحتلال قد يطول، لكن ّ صُبحَ الأُمةِ قريبٌ،وسوف يصحو تُرابُنا الدامي على رؤى الحجر العنيد،
أمَّا حكايةُ عوالي مع سليمان العيسى فتكمن وراءها مقالتي التي سبق نشرُها في جريدة الرأي بتاريخ 2/4/1987 ،تحت عنوان فلسطين داري ودربُ انتصاري ، وقد علمتُ في حينه أنّ مجلةً سوريةً أعادت نشرها نقلاً عن الرأي فوقعت في يد سليمان العيسى حيثُ قام في إثرها بنظمِ قصيدته. . وملخص الحكاية أن الأنشودة ظلَّت هاجسَ صغيرتي ،ترددها في البيت والشارع والمدرسة،وعندما سألتُها مرَّةً أما آن لكِ يا بنيتي أن تنتقلي إلى أنشودةٍ جديدة،هبّت في وجهي كالزوبعة قائلةً: وما بها هذه الأنشودة يا أبي ؟إنها عن فلسطين التي تحبها وتتغنى بمائها وهوائها ،واستمرت الطفلةُ في انتفاضتها تقول : هذه الأنشودة يا أبي لشاعرٍ عظيم ، يبدو أنك لم تعرف عنه شيئاً من قبل ،قلت: كيف يا بنيتي لا أعرفه؟وهو الذي غنَّى لأبناءِ جيلي أغاني الحريةِ والوحدةِ ،كان العمرُ يا عوالي لا يزالُ من أوله حينما التقيناه (مع الفجر) وعبر(أعاصير في السلاسل)وفي( شاعرٍ بين الجدران)،ودواوينَ كثيرةٍ يضيق المكانُ عن ذكرها ،وقبل ذلك كنا قد سمعنا عن هذا الفتى العربي الطالع من تراب النعيرية والذي تنبَّأ له أستاذُه (الأرسوزي)أن يكون في يومٍ من الأيامِ شاعرَ العروبةِ وتحققت نبؤتُه.
لقد رحل سليمان العيسى عن هذه الدنيا قبل أيام بعدأن أسرج لجيلِ الغد الآتي من الأطفال الذين عشقوا شعره، أسرج لهم مهرَ التحدي لكلِّ عناصرِ الموتِ والفناءِ التي تهددُ وجودَ هذه الأُمةِ حينما صرخ بأعلى صوته :
أُمةُ الفتحِ لن تموتَ وإنِّيِّ أتحداكَ باسمِها يا فناءُ
لقد كبرت عوالي وأصبحت أُمَّاً لثلاثةِ أطفالٍ هم: جود،وجمان ،وشهم الخصاونه ،وحيثُ أهلّها تحصيلُها العلمي بمادة القانون أن تلتحِق بإحدى مؤسساتِ الدولةِ ذات الصلة بتخصصها فضّلت أن تستقيل لتصبحَ مُعلِمةً في مدرسةٍ مستوفيةٍ للمعايير التربويةِ العالية لتظلَّ متواصلةً مع الأطفال الذين غنَّى لهم سليمان العيسى أحلى وأغلى الأناشيدِ القوميةِ .فسلامٌ عليك يا شاعرَ العروبةِ الأصيل ،وسلامٌ على الشامِ التي فارقْتَها غارقةً في جحيمِ الخصام .
· عن جريدة الراي الاردنية

