- 25 شباط 2023
- ثقافيات
بقلم : نزهة الرملاوي
من السخافة أن أقدم قراءة لنصوص أسير يقبع خلف زنازين القهر والمقاومة، أو أغوص في أعماقها لأحلل تأويلات وتخيلات ومشاعر كاتبها، فمن يستطيع الولوج إلى أعماق أسير يقبع خلف الزنازين عشرين عاما؟
من اللافت أن الٱسرى يساندون بعضهم حتى في الكتابة كما حدث مع الأسير الكاتب عنان وصديقه الأسير أحمد العارضة الذي شجعه ونقّح له نصوص الكتاب، وأظن أن هذا التجاذب الفكري نابع من كون الأسرى يحملون نفس الشعور والموازنة بين الكتابة والمقاومة. حملت النصوص عنوانا لافتا، ولو عدنا لمعنى رنين لوجدنا أنه يعني الصوت الحزين، وكأن هذا القيد رفع صوته بالبكاء، فأحسّ الكاتب أن القيود تبكيه وهو رهن الاعتقال.
الأسير لم تضعفه ظلمات السجن، ظلّ صاحب إرادة وقوة رافقته طوال فترة اعتقاله التي امتدت الى عشرين عاما، ولا زال هناك يقاوم بالكلمة والأمل، حاله كحال الآخرين من الأسرى، نصوصه عبرت عن مشاعر فتى عانى فراق الأحبة، فكانت متنفّسه خلف القضبان، عبرت عن معاناته وهمومه إثر فقده للأحبة والأمكنة، كيف لا والأحداث تتربع في مخيلة الأسير، فتجعلها مدوّنة للحرية الغائبة، كيف لا.. والأسير الذي تمنى أن يكون شهيدا؛ كي يهدي شهادته لأمه في عيدها، شاء له الله أن يكون أسيرا، وبنظر الكاتب الأسير أن شعور الفقد لازمه في كلا الحالتين، فقد الأحبة مؤلم موجع، فقد جسدي إثر الشهادة، وفقد التلامس والاقتراب لأسير لا يسمح له بالزيارات.
صور الكاتب الأسير رحلة الشقاء التي أهداها لأمه في تعقب تنقلاته ما بين السجون، وأظن أن الكاتب ساوى بين الأم البيولوجية وأمه الأرض، فاعترف أنه قدّم لها في عيد الأمهات حزنا وجرحا بحجم الوطن.
في يوم الأم طلب الكاتب من أمه أن تتفرغ لمعايدات أخوته، إلا أنها كانت تتفرغ للبكاء، في هذا اليوم الذي ينتظره الآخرون بفرح، نبكي بحرقة، يعزّ علينا فراق الأمهات.
نصوص مفعمة بالقوّة والأمل، بالرغم من الحزن الذي يخيّم عليها، أحداث أضاءت الأماكن المقهورة بالتفاؤل، أنسنت النصوص القيود، فجعلت لها صوتا يجهش بالبكاء والتّحسر على حرية غائبة، معتقلات تحمل في زنازينها آلاف الأسرى وعلى أبراشها تسيل دموع الاشتياق سنين طويلة.
تميّزت النصوص بعاطفة الحزن والشجن إثر انتقال الأسير من حضن عائلته ومن بيته الدافئ الذي يكن له الحنين والاشتياق ومن بين أصدقائه ومحبيه الذين لا يغادرون تفكيره، إلى عالم من العذاب وقرارات تجبره على التنقل بين زنازين السجن وظلمته.
امتازت عبارات النصوص بالأحاسيس المرهفة، والعواطف الجياشة، كعاطفة الحب والشوق والحنين للأهل والأخوة والأخوات والأم التي ما زالت تبكيه، وشعوره المتنامي بالغضب إثر الفراق، وتمسكه بالمقاومة.
تميزت نصوص الكاتب الأسير بأسلوبها المتدفق بالسلاسة والعذوبة، لما فيها من صور فنية ولغة أدبية مرنة، وصور مؤثرة للمشاعر التي ترافق الأحباب والأسرى أثناء الزيارات التي لا تتعدى الساعة.
من اللافت أن عناوين النصوص تشد القارئ لمواصلة القراءة والتي تألقت بها أدبيات السجون، بالرغم من الذّل والقهر في غرفة الاستجواب، الا أن الأسير في لحظات الضغط والألم يعيش تفاصيل الألم والشوق للأحبة، فيكتب لهم ما يعجز عن كتابته الأحرار.
كلّ التّحية والاعتزاز للأسرى وذويهم الذين يتحمّلون مرارة الفقد والعذاب والمنع من الزيارة لسنين طويلة.
باقات من التّقدير والاحترام للكاتب المحامي الأستاذ حسن العبادي، الذي أثرى المكتبة الوطنية والعربية بما يكتبه الأسرى، من خلال مبادرته( لكل أسير كتاب) التي أطلقها قبل أكثر سنتين.
نرجو للكاتب الأسير عنان شلبي ولكل الأسرى البواسل والأسيرات الماجدات، حياة سعيدة دافئة بين أحبائهم وفضاء وسيع من الحرية..

