- 28 نيسان 2023
- ثقافيات
خراطيش للصداقء (2)
بقلم : د. وليد سالم - جامعة القدس
في عصر العولمة والمد التكنوقراطي يصبح كاتب عدد من المقالات الصحفية والقارئ لعدد من الكتب عالما وخبير الخبراء الذي لا يشق له غبار. الم يقل جاريد كوشنير عن نفسه أنه أصبح خبيرا في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بعد أن قرأ ٢٤ كتابا حوله ؟.
وفي فلسطين والعالم العربي يكفي أن تقرأ عددا مثيلا من الكتب عن العهد العثماني مثلا لتخرج بعدها الى الناس مدعيا أنك أصبحت خبيرا في ذلك العهد . وفي أحيان أخرى تكفي معرفة اللغة العبرية ومتابعة الصحف والقنوات العبرية ليطرح المرء نفسه خبيرا في الشؤون الإسرائيلية. كما ويكفي جمع شتات من المعلومات عن الاستيطان ليصبح خبيرا بالاستيطان وهكذا . ويكفي أن تكون " ذو قلم سيال" لتدعى لكتابة " صف حكي" من الكتابة البلاغية الوصفية في كل شيء بغض النظر عن المضمون العميق ، وجدية التحليل ، كما يكفي ان تكون قادرا على الحديث باللغة الفصحى لكي تدعى لكل مؤتمر ولادارة كل ندوة ، وينتابك الغضب إذا لم يتم ذلك .
في فلسطين يظهر " أبو العريف " عالما موسوعيا يكتب في كل شيء ويتصدى لأي موضوع ويدس أنفه في كل شيء . يدعي المعرفة ويفتي في كل شيء وخاصة فيما ليس لديه اطلاع عميق بشأنه، ويعلق على ما يعرف وما لا يعرف . يتصيد نقطة هنا او هناك ليقدم ملاحظات عليها بلغة مفخمة . سجالي يقاطع الآخرين ويشخصن النقاش ويتوتر وينفعل ويغضب لأتفه الأسباب. يسمع من اجل الرد، ولا يستمع من اجل التعلم ووضع الذات في عمق تفكير الآخرين . يسعى للرد ، وللإفحام أو الإقناع والهداية مفترضا جهالة الآخر وغياب نقاط عن وعيه، ولا يسعى لتكامل الافكار . وآخر أمر يفكر فيه هو بقاء الخلاف ضمن صيغة من نوع : نختلف ، ولكن الخلاف لا يفسد للود قضية
يسعى أبو العريف لأن يكون في كل محفل ، ويعلن الحرب الشعواء على من يستثنونه من أي دعوة حتى في المواضيع التي لا تدخل ضمن اختصاصه وحدود معارفه، ويشن الحملات ويؤنب من لا يدعوه معتبرا ذلك بمثابة حط من قدراته التي يستهجن أن الآخرين لا يعرفون عنها ، ويتهمهم بالجهل لغياب هذه المعرفة . لا بل ويستصغر أي برنامج لا يشارك في إعداده ويلقي الاتهامات جزافا على مضمون ذلك البرنامج .
في فلسطين يصبح مثل هذا "المثقف" خطيبا مفوها ، ومتكلما متفذلكا ، يسعى للنجومية والشهرة والمنصب السياسي و/ او الاكاديمي على حساب التعمق في البحث، ويسعى لحصد أكبر قدر ممكن من المدائح والمجاملات من خلال لايكات الفيس بوك وغيرها . لا يخلو يوم لا يضع فيه صورة له او شهادة حصل عليها على وسائل التواصل الاجتماعي لاستدراج المزيد من المدائح . ينتج سريعا وينشر كل يوم او كل عدة ايام مقالا قصيرا او مراجعة كتاب ، بدون تدقيق او تمعن كاف . والمشكلة في وجهها الآخر أنه يجد لنفسه مداحين و مصفقين مما يعكس فقر البيئة الثقافية بوصفها المناخ الملائم لنشوء أشباه المثقفين و متوسطي الثقافة ، مداحي الذات ، ومستدرجي المديح من الآخرين .
في فلسطين يظن كتاب ان الشهرة في مجال العلم تأتي عبر نسج العلاقات الشخصية والوتوتة والكولسات والحط من شأن الاخرين عبر النميمة والغيبة مقابل رفع قيمة الذات. وبهذا يقيمون معيار الشخصنة مكان معيار التقييم العلمي للنصوص ، ويصبح كل اختلاف معرفي بمثابة اختلاف شخصي.
في فلسطين يشخصن "المثقف" أيضا عبر خلق معسكرات ، ويسب ويشتم ويخون بدون الالتزام بأخلاقيات الحوار العلمي المتعارف عليها . يتعصب لرأيه ويذم ويحط من شأن كل من لا يتفق معه.
وبدون افاضة زائدة يجب القول أن " مثقفين " من هذا النوع باتوا خطرا على تقدم العلم في فلسطين ، فهم يأنفون من التحكيم ويترفعون عنه، ويرفضون الملاحظات ، وجاهزون للرد على أي تقييم ويعتبرون الملاحظات مسا بشخوصهم وبكرامتهم . يساعدهم في بث دعاواهم هذه للأسف أكاديميون توقفوا عند الحصول على شهادة الدكتوراة وتوقفوا عن المتابعة والبحث الجديين بعد ذلك . ويزيد خطر هؤلاء عندما يكونون في مناصب ، فحينها تتحول المعرفة الى سلطة كما بين فوكو تزجر وتنهى وتقرب الموالين مع صاحب المنصب ، وتبعد المعترضين ومثيري النقاش العلمي المفتوح الذين ينفر صاحب المنصب منهم ويتعامل معهم كمنافسين لا كشركاء .
على العكس يبدأ العلم من التواضع ، كما يعلم التواضع ، فزيادة المعرفة هي زيادة الأسئلة لا زيادة الأجوبة . بمعنى آخر ازداد علما كلما ازدادت تساؤلات ، وكذلك كلما ازددت تواضعا في اجاباتي ، فرأيي قد يكون صوابا يحتمل الخطأ ، أو خطأ يحتمل الصواب ليس الا . وفي الجدل العلمي يتم مواجهة الحجة بالحجة لا بالحرد والاتهامات ، و " انت شو بفهمك "، و " ايش انتا جاي تتأستذ علي". العالم يعتبر زميله المخالف ندا يتحاور ويتشارك معه ، لا خصما يسعى لنبذه والتنافر معه .
كلما تعلمت أكثر كلما اكتشفت أكثر الجوانب التي لم اسبر غورها بعد . وعليه فإن العلم بدرجة معينة هو اكتشاف مزيد من الأسئلة أكثر مما هو اكتشاف مزيد من الاجوبة.
صفة العالم الاخرى هي الدأب للتحقق ، وليس لوضع أجوبة قاطعة مانعة نهائية . العالم يجتهد ثم يضع اجتهاده أمام العالم طالبا الصفح إن أخطأ في اجتهاده ، بدون أن ينتظر الأجر إن أصاب. العالم يبدأ بسؤال ، أو فرضية ، يتبحر في العلم بلا هوادة من أجل التحقق منها مستخدما المناهج العلمية .
عالم كهذا يختفي عن عالم الإعلام ، وينعزل ، فالاعلام هو عدو منح الوقت للتبحر والتعمق .
هو عالم لا ينام على انجازات الأمس ، بل يسعى للتعلم كل يوم ، ويسأل نفسه في نهاية كل يوم : ماذا تعلمت اليوم وكيف أبني على ذلك غدا .
هو عالم شديد النقد لذاته ، يعيد النظر فيما كتب وفي منهجياته ، ويقول لنفسه دائما : ليتني كتبت كذا بطريقة اخرى لكان أفضل ، ولو استخدمت المنهج كذا بدل الذي استخدمته في بحثي لكان افضل . هو عالم يخجل أن يدعي أنه عالم ، بل يقدم نفسه دوما كمتعلم دائم مهما بلغ علمه .
عالم كهذا ينأى عن المجاملات ، ويطلب من الاخرين نقده بصرامة علمية كي يتعلم اكثر ، ولكي يستطيع التحقق من اسئلة اخرى وردت في ذهنه ، ولم يكتب عنها ، ولكن نقد الآخرين اعادها وطرح مخارج جديدة تساعده على العمل لاحقا من اجل التحقق منها .
هو عالم الاختفاء عن الأنظار لا النجومية، ويظهر فقط عندما ينهي دراسة يقدمها للآخرين بتواضع . هو ايضا اللامنتمي الذي تحدث عنه إدوارد سعيد ، واللامنتمي هنا تأتي بمعنى عدم الأخذ بالبديهيات والمقولات والمسلمات والانتماءات العصبوية القائمة والدارجة ، بل التمحيص لكشف ما وراءها عبر التحليل الصارم ( rigorous) والتنقيب وعدم ابقاء أي حجر فوق غيره ، وتقديم النتائج للناس بشجاعة بغض النظر عن مدى تناقضها مع المسلمات التي عهدوها.
يفترض ما سبق أن يهب الكاتب حياته للبحث وأن يترفع عن صغائر النجومية اليومية ومدائح الظل العالي وصناعة الانصار والاعداء وعن الشتم والنميمة واحتقار الآخرين . ولربما آن الأوان في ضوء ما شهدته الساحة من مساجلات واتهامات مؤخرا لإطلاق حملة حول أخلاقيات البحث العلمي وتطوير مدونة سلوك الباحثين على طريق تحقيق التكامل العلمي والبناء على نتاجات عمل الآخرين بدل استصغارها والحط من شأنها ، وليكن الشعار دائما : دع مئة زهرة تتفتح ، فلا ضير بأن يكون هنالك تنوع في المبادرات حتى ولو كانت حول ذات الموضوع ولكن مع تناوله من زوايا مختلفة . ففي اطلاق التنوع قوة تعكس عافية مجتمعنا وحيوية مشهده الثقافي والعلمي ، وبالتالي فهي قوة تستحق الاحتفاء بها بدلا من صنع المعسكرات المتحاربة .

