- 15 تموز 2023
- ثقافيات
القدس - أخبار البلد - كتب الروائي المبدع "محمود شقير" تعليق على رواية د أحمد حرب والتي تحمل عنوان" مواقد الذكرى" على صفحته الشخصية في الفيسبوك ، ويسعدنا في شبكة " أخبار البلد" ان نعيد نشر تلك المقالة بكاملها ونشكر الأديب " محمود شقير" موافقته على ذلك.
استنادًا إلى رصيده من الروايات التي كتبها في السنوات الماضية، يكتب الدكتور أحمد حرب سيرة مترعة بالتفاصيل الحميمة، حافلة بزخم الحياة اليومية التي عاشها الكاتب في سنوات الطفولة في كنف عائلة فلاحية تعتمد في معيشتها على تربية الأغنام وعلى فلاحة الأرض؛ عائلة ممتدة لها مجلس عائلي مكوّن من الأب وأبنائه. ولنساء العائلة أدوار ملموسة في الزراعة وفي حلب الأغنام، علاوة على تربية الأولاد والعناية بأمور البيت، والخضوع لمشيئة رجال العائلة في مجتمع ذكوري لا ينصف النساء.
ما يميز هذا الجزء الأول من السيرة الذي اقتصره الكاتب على رصد مرحلة طفولته مع بعض إطلالات على المستقبل، أنه لم يجعل السرد متمحورًا حول ذاته، بل إنه وزّع اهتمامه بإنصاف على المحيطين به من أهل وأقارب، وجعل للنساء حضورًا بارزًا ابتدأه بأمه فاطمة، التي كانت هي ووالده الأصغر سنًّا في تشكيلة العائلة الممتدة؛ الأمر الذي وضع على عاتقهما أشغالًا كثيرة في خدمة الجميع، وجعلهما عرضة للظلم وللإجحاف بحقهما حين يتعلق الأمر بتقسيم الأرزاق، وإلى جانب الأم العاملة المكافحة، يعرّفنا الكاتب على خالته الصغرى التي رفضت الزواج من شخص قالت إنه "لا يسوى بشلك"، ثم ماتت من مرض غامض عزته العائلة إلى "إصابتها بالعين" من جراء جمالها.
وتظهر في السيرة أخته الطفلة مريم التي قدّمت الطعام للضابط "أبو دخينة" قائلة له: سمّ الهاري، ما أدى إلى انقلاب الموقف إلى حالة غضب وعداء. تظهر كذلك ابنة عمه فظّة، صاحبة اللسان السليط والتعليقات الساخرة، والراعية البدوية عندا التي خطفت ثيابه وهو يستحم في البركة التي خلفتها مياه الأمطار، فاضطر إلى اللحاق بها وهي تركض، وهو يركض خلفها عاريًا إلى أن يدركها فتصارحه بالقول وهو يعانقها: "يا ريت لما تكبر تكون من نصيبي"، وكذلك بنت العامري التي خرجت ترعى بقرتها، وهو يرعى مع أخيه خليل أبقار العائلة، فتستبد به الحماسة وهو على مقربة من البنت فيعزف على شبابته أنغامًا شجية تعبر عن مكنونات نفسه.
ولن ننسى تعلقه بالمرأة الشابة روز، الموظفة في السفارة الأميركية؛ إذ ضربت له موعدًا بعد خمسة وعشرين يومًا، ثم لم يجدها حين ذهب إلى الموعد لاستلام الفيزا لكي يسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة الدكتوراة في جامعة أيوا، وظلت حلمًا ناقصًا مؤرقًا في قلبه، بل إنه أنهى هذا الجزء الأول من السيرة عندها بالقول: "ربّما ألقاك ثانية مصادفة وقد حلّ الربيع بشآبيبه الندية".
وما يميز هذا الجزء الأول من السيرة اعتماد الكاتب على السرد المتأني الذي يجعل هذه السيرة أقرب ما تكون إلى الرواية، لجهة تواصل السرد وتتابعه المشوّق، ولجهة التوقف مليًّا عند الشخصيات، واستبطان مواقفها وأمزجتها وأسلوب تعاطيها مع الحياة، يصدق ذلك على رجال السيرة ونسائها سواء بسواء، وهم في الأساس عائلة الكاتب؛ أمه وأبوه، وجدّه وأعمامه وأبناء العمومة، وبعض المقربين من العائلة بصلة قرابة أو نسب، أو لمجرد أنهم من أبناء القرية ذاتها أو من أبناء المدينة، وأقصد هنا شخصية الأهبل ابن القرية، وشخصية البائع الخليلي الذي أصبح مع الزمن صاحب عمارة في رام الله تدرّ عليه دخلًا وفيرًا.
ثمة شخصيات في السيرة يصدق عليها الوصف بأنها شخصيات روائية، مثلًا شخصية الأم فاطمة التي تأثرت عيناها من كثرة البكاء على الأحبة الميتين وعلى الشهداء؛ حتى أصبح أهل القرية يلقبونها بفاطمة العمشة. وشخصية الخال ملحم، الذي كان صاحب جاه في القرية وفي المحيط، وكذلك شخصية ابن العم حسن، الذي افتتح ملحمة في القرية درّت عليه وعلى العائلة ربحًا معقولًا، وقد تبدّت شجاعته حين سرق أحدهم خروفًا من الملحمة، ثم راح حسن يهدد أبناء عائلته، حتى أحضر هؤلاء السارق وجعله حسن عبرة لمن يعتبر.
بعد ذلك يغلق حسن الملحمة، ويشتري بندقية ويلتحق بالثوار ويستشهد، ويكون فقده صعبًا على العائلة، ونكون من جراء ذلك أمام مشاهد لها علاقة بالثورة والثوار، وبالنضال الوطني الفلسطيني ضد الانتداب البريطاني والغزوة الصهيونية، ونتعرف إلى عبد القادر الحسيني وإلى عبد الحليم الجولاني الملقب ب "الشلف".
ومع تعاقب السرد نقف أمام الانتخابات البلدية التي جرت في الضفة الغربية عام 1976 من دون إقحام أو افتعال، ويخبرنا الكاتب عن علاقته الوثيقة مع الدكتور أحمد حمزة النتشة الذي ترأس قائمة مرشحي الخليل للانتخابات، ثم أبعدته سلطات الاحتلال قبل الموعد المحدد للانتخابات، وكذلك علاقته مع المرشح للانتخابات من بلدة حلحول: محمد حسن ملحم.
ويمكن القول: ثمة تداخل بين الخاص والعام في هذه السيرة على نحو مميز، بل إن عرض القضايا العامّة من خلال وعي السارد أو وعي الشخوص الذين عرضهم في السيرة، سواء أكان ذلك ما له علاقة بالثورة وبالنضال الوطني، أو ما كان له علاقة بهزيمة حزيران وتداعياتها المختلفة، هو الذي يُشعر المتلقي بأن ثمة جديدًا يضاف إلى ما يعرفه من أحداث ووقائع عامة.
كذلك، ثمة احتفاء بذكر الأمكنة ورصدها على نحو لافت، وبوصف البيئة القروية وتقديمها عبر الأغاني الشعبية وأغاني الندب والنواح على الشهداء، يضاف إليها بعض المصطلحات اللغوية باللهجة المحكية، ما يضفي على السيرة سمة محلية أصيلة ترفعها إلى مصاف الأدب الناضج المتقن الرصين.

