• 19 أيلول 2013
  • ثقافيات

ما الذي نريده من الثقافة حين يتعلق الأمر بالقدس؟ وما الثقافة التي تحتاجها المدينة وهي تعيش محنتها المتمثلة في هجمة التهويد والأسرلة؟ وكيف تصبح القدس حين تتعمّد بالثقافة النابعة من معاناتها الراهنة في ظل الاحتلال، المتصلة بتجربتها الحداثية المعاصرة التي تجلت في النصف الأول من القرن العشرين، وبما اشتمل عليه تاريخها من زخم معرفي وإنجازات؟

إزاء هذه التساؤلات، يجدر بنا أن نقارن الوضع الثقافي الراهن في القدس بما كان عليه الوضع قبل اتفاقية أوسلو، وقبل الانتفاضة الأولى. آنذاك، كانت الحركة المسرحية تشق طريقها بثبات، وكانت الندوات الثقافية والسياسية تستقطب جمهوراً غير قليل، علاوة على النخبة المثقفة التي كان لها حضور واضح في الندوات. وكانت منشورات صلاح الدين ناشطة في إصدار الكتب لأدباء فلسطينيين وعرب. وكان للناس حضور ملموس في الأنشطة الثقافية، ولهذه الأنشطة تأثيرها في وعي الناس.

ولو نظرنا إلى الوضع الثقافي في القدس قبل هزيمة حزيران 1967 فسوف نجد أن المدينة استعادت بعضًا من حداثتها التي سحقتها نكبة 1948 ، إذ كانت تصدر فيها أربع صحف يومية، ومجلة ثقافية شهرية هي "الأفق الجديد" التي استقطبت أعدادًا غير قليلة من الكتاب الفلسطينيين والعرب. وكانت هنالك أربع أو خمس مكتبات تبيع المجلات الثقافية والكتب الأدبية والفكرية الصادرة في بيروت والقاهرة. وكانت في القدس ثلاث دور للسينما، تعرض فيها بانتظام أفلام مصرية وأجنبية.

الآن، توجد دار واحدة لا تتسع إلا لعدد محدود من المشاهدين، أنشأها مؤخراً مركز يبوس الثقافي. وإذا استثنينا مقهى الكتاب الثقافي في شارع صلاح الدين، الذي يشتمل على جناح لبيع الكتب والمجلات، وكذلك مكتبة دار الجندي الواقعة في الرام،  فلا يمكننا الكلام على مكتبات مكرسة لبيع الكتب مثلما كان الأمر في السابق. هنالك عدد قليل من الأكشاك التي تبيع الصحف والمجلات وبعض الكتب، وهنالك مكتبات تبيع القرطاسية، وتخصص في الوقت نفسه مساحات ضئيلة فيها لبيع كتب لا يقبل عليها إلا عدد محدود من المعنيين بالقراءة. ويمكن الاستمرار في المقارنة للقول: ثمة صحيفة يومية واحدة الآن بدلا من أربع، وثمة دار واحدة للنشر وللتوزيع.

وثمة مؤسسات ثقافية وفنية، وأنشطة يتفاوت حجم حضور الناس فيها بحسب نوعية النشاط، فالندوات الأدبية والفكرية ومعارض الفن التشكيلي لا تستقطب جمهورًا واسعًا، في حين تجتذب الأمسيات الغنائية وعروض الفن الشعبي جمهوراً أوسع، والأمر نفسه ينطبق  على بعض العروض المسرحية. وعلى الرغم من كثرة المؤسسات الثقافية وتعدّد الأنشطة، فثمة أزمة ثقافية في القدس ناتجة عن العزلة بين الثقافة والناس، ولهذه العزلة أسباب منها: الإحباط الناتج عن ركود الوضع السياسي وضبابيته، تصاعد الخطط الإسرائيلية لتهويد المدينة، الحصار الذي يعزل المدينة عن محيطها، سوء الأوضاع الاقتصادية والأمنية فيها، وثقافة الاستهلاك التي تبثها محطات التلفزة وغيرها من وسائل الإعلام، وتسهم في تزييف وعي الناس.

إزاء ذلك، يغدو ضروريًّا تحويل الثقافة الوطنية الديمقراطية إلى مكوّن أساسي من مكوّنات هوية القدس وهوية مواطنيها، لعلها تسهم في إعادة الحداثة المفقودة إلى المدينة وإلى وعي مواطنيها، ما يجعل من الصعب على المحتلين ابتلاعها وإخضاع مواطنيها. ولكي تؤدي هذه الثقافة دورها على نحو أكمل، فعليها أن تكون قادرة على الوصول إلى العالم، لتقديم القدس إلى شعوب الأرض باعتبارها مدينة عربية فلسطينية ذات وجه حضاري إسلامي مسيحي.

وبغير ذلك، تظل الثقافة التي تشهدها القدس مجرد تنويعات مفتقرة إلى ما يوحدها، وينظم إيقاعها على نحو تصبح المدينة معه قادرة على مواجهة التهويد والأسرلة، وعلى تعزيز بقاء مواطنيها فيها رغم كل صنوف المعاناة

·         عن شبكة ايليا الاخبارية