• 26 آب 2024
  • ثقافيات

 

 القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي : 

 لقد كتب الروائي الكبير " محمود شقير" قراءة لكتاب الشاعر عمر صبري كتمتو  وعرضه في ندوة اليوم السابع ، ويسعدنا ان نعيد نشر ما كتبه اديبنا المقدسي  بكل فخر واعتزاز فهي بمثابة دروس وعبر الى أجيال المثقفين  الشبان وغيرهم  لينهلوا من هذه الخبرة قدر استطاعتهم  : 

 بعد هزيمة حزيران 1967 وصعود المقاومة الفلسطينية ردًّا على الهزيمة سادت في بعض أشعار تلك المرحلة نزعة الحماسة والصوت العالي والمباشرة، ولم يسلم من تلك النزعة سوى الشعراء المتمكنين من فنهم المدركين لطبيعة الشعر ودوره في الحياة. ثم تزايد على نحو واضح حضور هذه النزعة أثناء انتفاضة الحجارة عام 1987، بحيث كثر التغزل بالحجارة وجرى الإكثار من ذكرها في القصائد، إلى الحد الذي دفع الشاعر محمود درويش إلى القول في أحد الحوارات التي أجريت معه:

 "إن شعر الانتفاضة بحاجة إلى عشرة آلاف عامل لتنظيفه من الحجارة". الجدير ذكره أن كثيرًا من تلك القصائد المباشرة تجاوزها الزمن، ولم يبق صامدًا في وجه الزمن سوى تلك القصائد التي كتبها شعراء متمرسون في فنهم حريصون على تجنيبه تلك السلبيات الضارة بالمستوى الفني للشعر. 

يوحي عنوان هذا الديوان الذي نحن بصدده الآن أننا أمام شاعر كهل عركته الحياة بعد أن خاض غمارها طوال سنوات، وأنه ما زال مستعدًّا لمواصلة التجربة، حيث الأمل ماثل في الذهن برغم الأحزان والانكسارات والغربة وموت الأصدقاء. وحين نقرأ قصائد الديوان نجدها بعيدة من الشعارات الرنّانة ومن المباشرة غير الفنية التي تأخذ الشعر من أحضان اللغة المهموسة إلى تخوم النثر العاري الذي لا يليق بالشعر. 

حتى قصيدة "نداءات إلى صقر قريش" ص90 التي كتبها الشاعر بعد مذابح أيلول في عمّان عام 1970 ، فإنها نجت من النزعة التي وصفتها في أول هذا المقال، وأيضًا فإن قصيدة "المدينة" ص101 التي أتوقّع أنه كتبها أثناء أو بعد حصار بيروت عام 1982 ظلت بمنجاة من المباشرة غير الفنية ومن ضجيج الشعارات. 

ولن نفاجأ حين نقرأ حنين الشاعر، وهو يعيش في الغربة، إلى موطنه الأول: عكّا، وإلى ذكرياته فيها، تلك الذكريات التي عاشها في طفولته هناك، حيث التفاصيل الحميمة قبل أن يغادرها قسرًا مع أهله من جراء الغزوة الصهيونية التي احتلت البلاد وطردت أهل البلاد. وقد انبعثت هذه الذكريات مجدّدًا حين عاد الشاعر إلى عكا زائرًا، بعد سنوات من الغياب، وبعد أن أخذ الموت الأهل والأحباب. لن نفاجأ كذلك ونحن نقرأ حنين الشاعر إلى موطنه الثاني: دمشق، بعد أن أخذته الغربة بعيدًا منها، ولم تترك له سوى تذكّر الأماكن التي أحبّها وألفها في المدينة، وكذلك حنينه إلى الأصدقاء، وبخاصة الشعراء منهم، الذين تخطَّفهم الموت ولم يعودوا على قيد الحياة، ما جعله يتأسى عليهم بعد أن أصبح وحيدًا في خضّم الحياة، لا يملك إلا أن يبثّ نهر بردى حزنه وشكواه.

يتألق الشاعر عمر صبري كتمتو في هذا الديوان، ويبدو متمكّنًا من فنه قادرًا على نقل مشاعره إلى المتلقي بسهولة ويسر، بالنظر إلى لغته الجميلة، المنسابة غير المتكلفة، وبالنظر إلى تأثيث قصائده بعناصر من التراث العربي، وبالحرص على عنصر الإيقاع في شعره، حيث الجمال الذي تبعثه في النفس القوافي التي تأخذ مكانها في القصائد من دون افتعال، وحيث الإيقاع الداخلي المتشكّل من الشاعرية العذبة التي تبثها الصياغات اللغوية الرشيقة في نفس المتلقي. 

ولعلّ ما يعزّز مكانة هذا الديوان في إطار الشعرية الفلسطينية والعربية الحضور المرهف للمرأة التي يمكن أن نرى فيها امرأة من لحم ودم، ويمكن أن نرى فيها ترميزًا للوطن.

 كذلك، تلك الرغبة المشروعة في فضح هزال النظام العربي الذي يخضع المواطنين بالقمع الذي تمارسه الأجهزة التابعة للقائد الفرد المتسلط عليهم، وهو الذي يتستّر بالدين للتغطية على ما يمارسه من فحش ومجون.

 بقي أن أشير إلى التفاوت الملحوظ في طول القصائد، حيث القصائد المطوّلة التي تعبر عن الحنين وعن الذكريات وعن الموت والحياة، وعن التسلط والاستبداد، وهي موضوعات بحاجة إلى استقصاء وتجسيد للتفاصيل الضرورية للإضاءة الكافية عليها عبر السرد القصصي الأخّاذ. 

فيما نجد في الديوان قصائد قصيرة تذكرني بالقصص القصيرة جدًّا، المكتوبة بإيقاعات جميلة، وهي المعنيّة بعرض موضوع واحد أو لمحة واحدة من تيار الحياة المتدفق، عبر عنصر السرد الشائق الذي لم تخلُ منه أغلب قصائد الديوان. 

كل التقدير للشاعر المبدع د. عمر صبري كتمتو.