- 11 آب 2025
- ثقافيات
القدس- أخبار البلد- كتب نافذ عسيلة
المرشد السياحي والكاتب الإثنوغرافي يشتركان في توثيق الثقافة وتمثيلها، لكنهما يختلفان من حيث الأهداف والوسائل والجمهور الذي يخاطبانه. يميل المرشد إلى تقديم الثقافة بأسلوب مبسط وجاذب يعتمد على السرد الشفهي والانطباعات العامة، مستهدفًا جمهورًا يبحث عن تجربة سريعة وممتعة. في المقابل، ينخرط الإثنوغرافي في دراسة معمقة للثقافة من خلال الملاحظة والمشاركة الطويلة، منتجًا معرفة تحليلية موجهة غالبًا إلى جمهور أكاديمي.
تتباين أدوات نقل المعرفة بينهما، حيث يستخدم المرشد الحكايات والسرد التاريخي والزيارات الميدانية المنظمة والنصوص المبسطة، بينما يعتمد الإثنوغرافي على التدوين الميداني والمقابلات والتحليل النظري. يكيف المرشد أحيانًا المعلومات لتتناسب مع توقعات السياح، بينما يسعى الإثنوغرافي إلى الحياد مع إدراكه لحدوده.
يعد كل منهما وسيطًا ثقافيًا يسهم في تشكيل تصور المتلقي عن الثقافة، وإن اختلفت الأهداف والسياقات التي يعمل فيها كل منهما. المرشد السياحي يتفاعل مع جمهور مؤقت يبحث عن تجربة حسية ومعرفية سريعة، يركز فيها على الجوانب المرئية والمعلومات العامة. أما الإثنوغرافي، فيوجه جهوده نحو جمهور يهتم بالفهم العميق والتحليل، متناولًا الثقافة بوصفها بناءً معقدًا من الرموز والعلاقات الاجتماعية.
يعتمد المرشد على تقديم خطاب يراعي اهتمامات الزوار ويبرز الجوانب الإيجابية للثقافة بهدف تعزيز صورتها، ما قد يؤدي إلى تكريس صور نمطية أو اختزال المعاني. بينما يسعى الإثنوغرافي إلى تفكيك الخطابات وتحليل البنى الرمزية التي تنتج المعنى، متعاملًا مع الثقافة بطريقة نقدية تتجاوز المظاهر إلى فهم السياقات الاجتماعية والتاريخية الأعمق.
يتطلب عمل الإثنوغرافي الإقامة الميدانية والانخراط في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع المدروس، مما يتيح له تكوين فهم داخلي ومعمق. في المقابل، يقدم المرشد مشاهدات منتقاة تهدف إلى جذب الزائر وتوفير تجربة سهلة وسريعة، لكنها قد تغفل أحيانًا تعقيدات الواقع الثقافي والاجتماعي. كما يخضع عمل المرشد أحيانًا لتوجهات السياق الرسمي، بينما يميل الإثنوغرافي إلى مساءلة تلك التوجهات وتحليل مضامينها.
الموقع الشخصي لكل من الطرفين يؤثر على طريقة تمثيل الثقافة، فالمرشد غالبًا ما يتبنى خطابًا يوازن بين جذب الزوار والمحافظة على صورة إيجابية للثقافة المحلية، مما قد يدفعه إلى إغفال أو تعديل بعض الجوانب. أما الإثنوغرافي، فرغم سعيه للموضوعية، يدرك أثر خلفيته الفكرية والثقافية على عمله، ويخضع تجربته البحثية لنقد ذاتي مستمر، سعيًا لفهم أثر الموقع الشخصي في تمثيل الآخر.
السرد يشكل أداة أساسية في عمل كلا الطرفين، لكنه يأخذ أشكالًا مختلفة. يستخدم المرشد القصص والأساطير والمواقف الرمزية لجذب انتباه الزائر وتبسيط المعنى، مما يسهم في تشكيل صورة سريعة. في حين يوظف الإثنوغرافي السرد لإعادة بناء التجربة الميدانية وتقديم رؤية تحليلية تتعمق في التعقيدات والتوترات الاجتماعية، مع الحفاظ على تعددية الأصوات وثراء التفاصيل.
يمارس كل من المرشد والإثنوغرافي دورًا تمثيليًا يتطلب وعيًا أخلاقيًا في نقل ثقافات الآخرين. المرشد مطالب بتجنب الصور النمطية للعناصر الثقافية، واحترام خصوصية المجتمعات التي يعرضها. أما الإثنوغرافي، فعليه الالتزام بمعايير البحث الأخلاقي، من توثيق دقيق وسرية وشفافية، إضافة إلى تجنب إسقاط الأحكام المسبقة أو التحدث باسم الآخر بطريقة تضعف صوته. ويشمل هذا أيضًا التفكير في تأثير ما يكتبه على المجتمعات التي يتناولها، سواء في الماضي والحاضر أو مستقبلاً.
في المجمل، يتحرك الطرفان ضمن فضاء يتطلب وعيًا نقديًا وأخلاقيًا دائمًا، يضمن احترام الآخر وتمثيله بإنصاف، مع إدراك التحديات المرتبطة بنقل المعرفة الثقافية في سياقات متباينة.

