- 17 أيلول 2025
- ثقافيات
بقلم :الكاتب والناقد تحسين يقين
هل مرّت سبع سنوات؟ إذن يا لقسوة قلبي إذا أطيق البعد سنوات!
كانت ولم تزل، أول الأشياء الجميلة، والتكوين الإنساني للفتى قبل أن يقيم فيها للدراسة، وبذلك شكلت لي ولأجيال عربية حاضنة ثقافية مميزة، حيث لم تكتمل منظومة الثقافة والفنون في بلد كما اكتملت فيها: الأدب والمسرح والسينما، والفنون التشكيلية، والموسيقى والغناء.
سأعود إلى مشاهدة فيلم "عسل أسود"، الذي شاهدته كثيرا، فأجدني متتبعا لخطوات الشاب المغترب الذي يعود إلى مصر، ليقدم الفيلم أغنيتين نالتا شهرة الفيلم وأكثر: "فيها حاجة حلوة" و"بالورقة والقلم"، ريهام عبد الغفور التي اشتهرت بهما.
عندما تظهر كلمة "مصر"، فإن سيرتنا الشخصية والعائلية والثقافية والقومية تحضر، فيختلط ما هو ذاتي شخصي بما هو ثقافي وقومي، حيث يصعب الفصل. لذلك نحن مسكونون بهذا المكان وأزمنته السابقة لزماننا كثيرا، فقد تداخل تاريخ بلاد الشام ومنها فلسطين، بوادي النيل من أول التكوين فيهما.
ففي الوقت الذي أتذكر سفر أخي د. منصور لدراسة الطب في كلية طب القصر العيني-جامعة القاهرة، فإنني أتذكر استماع والدي للإذاعات الثلاث القاهرة وصوت العرب وصوت فلسطين، مثله مثل ملايين العرب. وأذكر أغنيات الصباح، والبرامج التي تتلمذنا عليها، وكيف تعرفت من خلال أخويّ منصور ونصار على إذاعة الشرق الأوسط، وكيف كنت أسعد حين كنت أسمع برنامج "فانتستيكا"، لطنط سناء وعمو عمر، فقد كنت كل صباح أتمنى أن يتأخر الباص قليلا، لأتمكن من الاستماع. وحين كبرت قليلا كنت أستمع لمسلسل رمضان الإذاعي، فما زلت أتذكر "أفواه وأرانب"، الذي تحول بعدها ببضع سنوات لفيلم من بطولة ممثلي المسلسل الإذاعي، باختلاف وجود توفيق الدقن في الفيلم بدلا من محمود المليجي.
كانت قراءة نجيب محفوظ وعبد الحليم عبد الله ويوسف إدريس وإحسان عبد القدوس، وآخرين، ومشاهدة الأفلام خاصة الأفلام الواقعية، ثم المسرح الذي شاهدناه من خلال التلفزيون، والأغاني، كل ذلك كان له سحر التأثير في التكوين الثقافي والإنساني. ثم ليستمر التكوين مع الدراسة في مصر، حيث يصبح لقاء الفتى معها وجاهيا، فلم تمض بضعة أشهر حتى اندمج الفتى فيها، فصارت حاضنته الثقافية على مدار سنوات الليسانس. تابعت التكوين، ثم صرت أزور معارض الفنون التشكيلية والمتاحف المتنوعة للوحات الفنية، ومتحف مختار الذي كنت أعرف تفاصيله قبل زيارته بسنوات، لكن كان اللقاء مع "مختار" ساحرا في المتحف الذي يحمل اسمه في "الجزيرة" على النيل.
كنت أدرس الأدب العربي واللغة والنقد في الجامعة، في حين كنت أتعلم من خلال المجاورة الثقافية من خلال التلفزيون بما احتوت القناة الأولى والثانية من برامج ثقافية وفكرية، أذكر نادي السينما وسينما كمان وكمان، واتيليه. كلاهما عمق تذوقي للسينما والفن التشكيلي، فأن أشاهد أسبوعيا على مدار أربع سنوات، يعني التتلمذ والوعي والتعلم والتأثر. وهكذا تفاعل الأدب والفن داخلي وداخل جيل ثقافي تعلم في مصر. وهذا ما عنيته باكتمال المنظومة الثقافية في عاصمة الثقافة العربية. سيطول الحديث، فهناك تفاصيل مهمة، لعله آن الوقت لتوثيقها، حيث تشكل شهادة على مرحلة معينة من الثقافة بين 1988 و1992، بما احتوت من تحديات وإشكاليات وإخفاقات وطموحات.
كان مهرجان المسرح التجريبي في بدايته، ولم أدر أنني بعض سنوات سأكون ضيفا عليه مرتين؛ حيث كان فاتحة جديدة لي لتحريري من المسرح التقليدي و"السياحي"، ذلك أن الفتى الذي كنت صار يبحث عن مسرح بديل لما هو سائد، فعرفت الطريق الى المسرح القومي ومسرح الطليعة ومسرح الشباب، لكن مناسبة مهرجان المسرح التجريبي على مدار دورات ثلاث ترددت فيها على المسرحيات، يشجعني على ذلك التذاكر الرخيصة، والتي كانت شبه مجانية للطلبة.
وقد حصلت على تذكرة مخفضة لحضور حفلة "فيروز" في صيف عام 1989، وما زلت أتذكر كيف غنت مقطعا من "زهرة المدائن": أنا لا أنساك فلسطين..، حيث كانت الانتفاضة في عامها الثاني. وكم فرحت حينما عرفت من صحيفة الأهرام إن السفير الأمريكي في القاهرة كان في الحفل. تخيلت وجهه المحمرّ غضبا، حين سمع اسم فلسطين عاليا في هضبة الهرم.
ثم كانت:
مصر عادت شمسك الذهب تحمل الأرض و تغترب
كتب النيل على شطه قصصاً بالحب تلتهب
وقد علمت أن فيروز كانت قد غنتها قبل ذلك في مصر بسنوات. وبالنسبة للفتى الذي كنته، فكنت محظوظا أنني غرفت من تلك الثقافة العريقة.
واليوم، أطل من نافذة الطائرة، لأرى القاهرة، فيعود شريط طويل من الذكريات والأفكار والمشاعر، فأجد الأخوين رحباني يعبران عني:
جئت يا مصر و جاء معي تعب إن الهوى تعب
وسهاد موجع قلته هارباً مني و لا هرب
مصر يا مصر، لم تذهب شمسك لتعود، فأنت ذات شمس دائمة؛ ودافئة، ولي أن أقرأ عمق مصر الوطني والقومي والروحي. مصر الأصيلة ظلت كذلك:
الحضارات هنا مهدها بعطاء المجد تصطخب
نقشت في الصخر أسفارها فإذا من صخرك الكتب
لكن كيف للعريقة مصر أن تتعامل مع منظومة دولية عمادها الشرور؟
لم تكن غير ساعة، حتى وجدتني أمشي على أرضها كأنني لم أبتعد عنها سنوات، ساعيا للفول والكشريّ، والشاي الكشري.
أما الشاي الكشري فهو أسرع طريقة لصنع الشاي، تعتمد على وضع أوراق الشاي والسكر في الكوب أو الإبريق ثم سكب الماء المغلي عليهما لتحضير الشاي دون غليه على النار.
أما طعام الكشري، فهو وجبة مصرية مشهورة تتكون من مزيج من الأرز والمعكرونة والشعيرية والعدس البني، ويُقدم معها الحمص، وصلصة الطماطم بالثوم والخل (الدقة)، والبصل المقلي المقرمش. يمكن إضافة الصلصة الحارة حسب الرغبة. والشيء بالشيء يذكر، إنه "الطورشي"، وهو المخلل، حيث أنهم في مصر يكادون يخللون الكثير من الخضار. ولا أنسى "الفطير المشلتت" مع العسل العادي أو العسل الأسود، الذي كان اسم الفيلم.
فيها حاجات حلوة، مش بس حاجة واحدة يا ريهام عبد الغفور. والآن، الى مصر القاهرة أستعيد الفتى والكهل أيضا، فلهما هنا ذكريات العشريني والأربعيني والخمسيني. ولأغرف من المسرح المصري والعربي والعالمي، متنقلا بين المسارح الجميلة، متذكرا ما كان، ومقدرا فكرة مؤسسي المسرح التجريبي، الذي لم تقف ثماره على المسرح في بلادنا فقط، بل امتدت الى السينما والأدب والفكر والسياسة والحكم، كون المؤسسين أرادوا بناء جيل جديد. و..عمار يا مصر.

