- 25 تشرين أول 2025
- ثقافيات
القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي
في إطار التفاعلات حول فوز الكاتب الكبير " ابراهيم نصر الله " بجائزة جائزة نيوستاد العالمية للآداب التي تمنحها جامعة أوكلاهوما، ومجلة " الأدب العالمي اليوم" التي تصدر منذ 99 عاما، نشر الكاتب " محمد ناصر الدين " مقالة في جريدة "الأخبار" اللبنانية تناول فيها بعدا اخر لهذا الفوز المستحق .
ويسعدنا في " أخبار البلد" المقدسية ان نعيد نشر المقالة كاملة مع نشرت في الزميلة " الاخبار" اللبنانية "
«إذا ما أراد الغرب أن يفهمنا حقّاً، فإنّ عليه أن يكفّ عن الاستماع إلى نفسه، وأن يتركنا نتحدث بصدق عما يحدث فينا، وأن يتقبّل حقيقة قول الصدق حتى وإن لم يأخذ بها في النهاية».
هذه الجملة المفتاحية للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله (1954) التي أوردها في كتابه «السيرة الطائرة» (2010) هي أول ما يخطر في البال عند سماع فوزه بجائزة «نيوستاد» الأميركية المرموقة المخصّصة للإبداع الأدبي التي تُمنح كل عامين وتوصف بـ «نوبل الأميركية».
الشاعرة الفلسطينية ــ البريطانية شيرين مالهيربي التي مثّلت نصر الله في لجنة التحكيم التقطت ما قاله صاحب «الملهاة الفلسطينية» عن السردية الأدبية الصادقة: «تعالج أعمال نصر الله الأدبية قضايا ومواضيع عالمية مشتبكة مع النضال الفلسطيني، ما يسمح للقراء أن يفهموا فلسطين خارج الكادر الاستعماري، وأعماله اليوم أكثر أهمية من أي زمن مضى، على ضوء جلجلة الفلسطينيين المستمرة. أزفّ الوقت ليرى العالم فلسطين الحقيقية، ويمكن لكتابات نصر الله أن تفي بهذا الغرض».
كما أعلن روبرت ديفيس ــ أونديانو، المشرف على مجلة «الأدب العالمي اليوم»، إن فوز نصر الله بهذه الجائزة «لحظة مفصلية في إعادة النظر الغربية في الثقافة الفلسطينية».
تتويج الشاعر والروائي الغزير الذي يراه النقاد يكمل ويطوّر ما شرع فيه الأديب الشهيد غسان كنفاني، هو ثمرة مسارٍ شاق بدأ منذ طفولته كلاجئ في مخيم «الوحدات» في عمّان. هناك، درس في مدارس «وكالة الغوث» ثم حصل على دبلوم في التربية وعلم النفس من دار المعلمين في عمان، قبل أن يختار الأدب طريقاً لمواجهة الخسارة وترميم الذاكرة المجروحة.
فابن قرية البريج المندثرة في النكبة لم يكتب فلسطين بوصفها مأساة فقط، بل بوصفها كياناً حياً وثقافةً تقاوم النسيان. فلسطين التاريخ والجغرافيا والأمل والروح التي ستحضر على امتداد مشروعه الروائي، في كتابة المأساة الفلسطينية مثل تطريز على ثوبٍ من الحكايات: من «قناديل ملك الجليل» التي تستعيد سيرة ظاهر العمر الزيداني معيداً ترتيب التاريخ النضالي الفلسطيني والعربي وفهمه لقيم الكرامة والعدل والحق في الحياة، مروراً بـ «أعراس آمنة» حيث يتجاور العرس والجنازة في الحياة اليومية لشعبٍ ينتزع وجوده من بين أنياب الاحتلال، وليس انتهاء بـ «زمن الخيول البيضاء» التي ترجمتها نانسي روبرتس باعتبارها العمل المرشح للجائزة الذي يمثّل مجمل منجز الكاتب، فهذه الملحمة البديعة تمثّل الإلياذة الفلسطينية بامتياز. وهو ما أشارت إليه الناقدة والشاعرة الراحلة سلمى الخضراء الجيوسي: «إنهـا بحق الرواية التي كانت النكبة الفلسطينية تنتظرهـا ولم تحـظ بهـا من قبل.
تأريخ دقيق غاية في الحساسية والتصوير المبدع للوضع الفلسطيني منذ زمن العثمانيين إلى عام 1948. كبيرة الأهمية لأنها تكشف أسباب النكسة وملابساتها وظروفها الطاغية التي قادت شعبنا إلى عذاب مقيم.
كم سألني الكثير من الأجانب: متى يظهر العمل الفلسطيني الذي يقدم لنا الإلياذة الفلسطينية؟ وها هي الآن بين يدينا». ليست ملحمة إبراهيم نصر الله ابتداعاً للأساطير على غرار إلياذة هوميروس، واشتقاقاً للأبطال الميثولوجيين الأرضيين في صراعهم مع الآلهة، هي رواية كل من امتشقوا خيولهم وبنادقهم ليدافعوا عن أرضهم أمام المشروع الاستعماري الأشرس والأخطر، ملحمة رغم شعريتها العالية أسهمت في إنتاج المعرفة والحقيقة التي ستجعل من فلسطين في كل لحظة أداة لاختبار ضمير العالم.

