- 28 تشرين أول 2025
- ثقافيات
بقلم : معروف الرفاعي
كان الثلج يتساقط بهدوءٍ فوق أرصفة المدينة الغريبة، كأنه غبار الزمن حين يترسّب على الذاكرة.
يمشي بخطواتٍ وئيدة، يجرُّ ظله خلفه كما يجرّ المنفي خيبته، يبحث في الوجوه عن ملامح تشبه حجارة قريته، أو عن نافذةٍ مفتوحةٍ على ضوءٍ يشبه ضوء البيت.
توقّف عند مقهى صغيرٍ على ناصية الطريق.
رائحة القهوة المنبعثة من الداخل اخترقت برد المسافة وأيقظت قلبه.
جلس إلى طاولةٍ خشبيةٍ مطلةٍ على الزجاج، وتذكّر موقد أمه في الصباحات الأولى، حين كانت تفور القهوة على نارٍ صغيرةٍ وتقول له وهي تبتسم:
“استيقظ يا يوسف، اليوم جديد.”
ارتجف صوته الداخلي وهو يهمس في سرّه:
"فناجين قهوتنا لا تزال على حالها... هل تشمّ أصابعنا فوقها؟"
في البعيد، كانت صورة ابنته تلوح كطيفٍ بين الغيم.
ذات الجديلة، ذات الحاجبين الكثيفين، تكبر في غيابه وتواصل عمره بدلاً منه.
تساءل في مرارةٍ هادئة:
"هل تقول لبنتك إن لها صاحبًا غائبًا، يتمنى زيارتها، لا لشيء... ولكن ليدخل مرآتها ويرى سرَّه؟"
كانت الغربة قاسيةً لا ببرودها فقط، بل بصمتها.
كلّ ما حوله يمضي كأن لا شيء ينقص هذا العالم سوى صوته.
حتى المقهى بدا له مسرحًا للغياب؛ فناجين فارغة، وضحكاتٌ لا تعنيه، وموسيقى لا تشبهه.
أغمض عينيه، فعاد إليه كل شيءٍ دفعةً واحدة:
رائحة الخبز في الصباح، نداء البائع في الحارة، أذان الفجر المتسلّل من بين الجدران الحجرية، وأصوات الأطفال تركض في أزقةٍ ضيّقةٍ تفيض حياةً رغم الحصار.
رأى البيت واقفًا في وجه الريح، والنوافذ ترتجف بالحنين، والساحة تغفو تحت شجرة لوزٍ ما زالت تزهر كل ربيعٍ باسمه.
رفع رأسه نحو السماء الرمادية، وتمتم كأنه يرسل رسالة عبر الغيم:
"سلِّم على بيتِنا يا غريب... قُل له إن النوافذ ما زالت تسكنني، وإن الحنين صار وطنًا أُقيم فيه وحدي."
سقطت ندفة ثلجٍ في فنجانه، ذابت ببطءٍ كأنها دمعةٌ تأخرت كثيرًا.
أخرج من جيبه صورةً قديمة — له مع ابنته أمام البيت — مسح عنها الغبار بأناملٍ مرتجفة، وهمس:
"سلِّم عليها إذا اتسع الوقت... وقل لها إن الغائب لم يعد غريبًا، بل صار ظلًّا من وطنٍ يمشي على قدمين."
نهض متثاقلاً، ترك فنجانه كما هو، ودفع باب المقهى نحو الخارج.
كان البرد يلسع وجهه، غير أنه أحسّ بدفءٍ داخليٍّ يشبه وعدًا بعيدًا:
أن الطريق الطويل، مهما التفَّ في المنفى، لا بد أن يعود إلى البيت يومًا... إلى بيتٍ ينتظر السلام.
*مستوحاة من قصيدة محمود درويش "عندما يبتعد"

