• 29 تشرين أول 2025
  • ثقافيات

.

بقلم : معروف الرفاعي

 

كانت الحانة شبه خالية، سوى من صوت الموج وهو يضرب زجاج النوافذ بإصرارٍ يشبه البكاء.

في الزاوية جلس وحيدًا، أمامه طاولة صغيرة تتسع لكأسين؛ واحد له، والآخر ظلّ في مكانه منذ عامٍ مضى، في انتظار صديقٍ لم يعد.

رفع الكأس الأول ببطء، كأنما يرفع ذكرى.

تسلّل طعم الملح من فمه إلى قلبه، واختلط بنكهة البحر الموحشة.

قال في نفسه بصوتٍ خافتٍ يشبه الندم:

"شربنا يومها آخر كأسٍ على صحة عودته… وما عاد."

كان يتذكّره كما لو أنه لم يغِب قط:

ضحكته العالية، كأجراس الكنائس في ليلة عيد، ووجهه الذي كان يحمل براءةً لا تليق بهذا العالم القاسي.

كان يحلم دائمًا أن يعود "كريمًا"، كما قال له في وداعهما الأخير:

"سأعمل ليلًا ونهارًا، لأعود كريمًا…"

لكنّ البحر أخفى أثره، والسنوات خبّأت صوته بين أمواجٍ لا تعرف الرحمة.

ظلّ صديقه هناك، في الضفة الأخرى، يعمل حتى أتعبه الحلم.

وهو بقي هنا، في الضفة الأولى، يشرب حتى أنهكه الانتظار.

كلاهما مات على طريقٍ مختلفٍ نحو الحياة:

واحد قتله الفقر، والآخر قتله العمل.

أدار الكرسي الفارغ أمامه وقال كما لو أنه يخاطب ظلًّا جالسًا هناك:

"انظر… البحر كما تركته، والحانة لم تتغيّر.

الكأس ما زال أمامك، وأنا ما زلت أنتظرك.

هل ترى؟ حتى الغياب صار عادةً، حتى الصمت صار لغتنا الأخيرة."

امتدّ بصره إلى الأفق البعيد، حيث تلتقي الزرقة بالظلال، وتذوب الأرواح التي لم تعرف العودة.

كانت الريح تمرّ على وجهه فتذكّره برائحته، وكان البحر يضجّ باسمه كلّما سكنت الأمواج.

همس أخيرًا وهو يطفئ شمعة الطاولة بيده المرتجفة:

"قتلك الفقرُ هنا… وقتلك العمل هناك،

وبقيتُ أنا يا صديقي خلف البحر، أعدّ الموج، وأنتظر كأسًا لا يُشرب، وعودةً لا تأتي."

ثم نهض، تاركًا الكأسين على الطاولة، أحدهما نصف ممتلئ بالحياة، والآخر ممتلئٌ بالفقد.

خرج إلى الرصيف المبلل بالمطر، ومضى نحو البحر الذي لا يردّ على أحد…