- 24 شباط 2026
- ثقافيات
بقلم: حسن عبادي
على هامش مشاركتي أمسية "أحمد أبو سليم" الرفيق المبدع: شاعراً وروائياً أهداني الصديق الفوتوغرافي صالح حمدوني إصداره الأخير "على مدّ البصر" (208 صفحات من القطع المتوسط، مراجعة وتدقيق: الدكتور جمال أبو النعاج، من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان، وبدعم من وزارة الثقافة الأردنية، ولوحة الغلاف للفنان والكاتب صالح حمدوني)، وكان خير رفيق لي حين رافقت زوجتي سميرة في مؤتمر طبّي في أم الرشراش/ إيلات كونها رئيسة جمعيّة تمريض المسالك البوليّة في البلاد.
يحوي الكتاب مجموعة من المقالات التي تتناول تجارب متنوعة ومفاهيم أساسية في التصوير الفوتوغرافي، وتحاول تأكيد أهمية هذا الفن وخصوصيته ودوره في تشكيل وعي الإنسان وذاكرته، ودوره في إحداث تغيير على مستوى الأحداث السياسية.
تتنوع مواضيع الكتاب بين مجالات التصوير المتعددة، كالتصوير الصحفي وتصوير الشارع والتصوير في الفن السوريالي، وتاريخ الفوتوغراف العربي، وتناول موضوعة إشكالية العلاقة بين التصوير والدين، كما تحدث عن تجارب مصورين عالميين أسهموا في تأكيد دور الصورة في التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي.
فلسفة حمدوني وكاميرته: "اتبع الضوء... هناك قلبك، هناك عالم آخر"؛ دون محسّنات ومجمّلات وفذلكات.
أعادتني قراءة الكتاب لمعرض "العودة إلى الماضي" ومعرض "شبابيك" للفنّان العكيّ منير قزموز وفيها استخدم التصوير الفوتوغرافي ليستفزّنا لمتابعة الزمكانيّة في صور الماضي، مراقبتها واستنطاقها لقراءة التاريخ واللحظة التي صُوّرت فيها ليحوّل تلك الصور القديمة بأسلوبه الخاصّ إلى فنّ يحمل رؤية ورؤيا معاصرة، يستحضر الغائب بابتكار فنيّ لبق. نجح منير بتقمّص الذاكرة التي تخرج من صورة تعكس الماضي ليحوّلها إلى حاضر آملًا بمستقبل أجمل وأبهى حين يبثّ فيها الروح والحياة ممّا يُثير الحنين والنوستالجيا ليجمّل واقع عكا وحاضرها المؤلم.
وأعادني إلى كتاب "All Quiet on the West Bank?" للكاتبة والصحافيّة والمصوّرة الفوتوغرافيّة السويديّة لينا فريدريكسون الذي يشكّل معرضًا للصور، كثير من الصور مع قليل من الكلمات والوصف، نتاج عدّة زيارات للضفّة الغربيّة والقدس بين الأعوام 2011-2018، أطلقت العنان للصورة لتحكي الحكاية، تنقل من خلالها صورة واقعية لتفاصيل معيشيّة مغيّبة عن الكثيرين وتعكس الحياة اليوميّة للفلسطينيّين تحت الاحتلال، صور تروي كلّ الحكاية وتغني عن كثير الكلام.
عدت مجدّداً لكتاب "فتنة الحاسة السادسة– تأمّلات حَولَ الصُّوَر" لصديقي فراس حج محمد الذي تناول موضوع الصورة؛ معناها اللغوي والصورة الأدبية/ الرسم بالكلمات وموضوع الصور في الحرب، فلسطينياً، ودلالاتها، وأهميّتها ودورها في حملات مناصرة القضية الفلسطينية دولياً، ومناقشة الصورة الساخرة الكاريكاتورية وأهميتها، والتصوير بالكلمات، وانتقل هذا الحس من الكلمة، إلى الرسم الكاريكاتوري، إلى الصورة، ويعود ذلك إلى تطور الفن.
يستعرض حمدوني التحوّلات في دور الكاميرا والصورة وينصفها ويعطيها شأناً كالكلمة المكتوبة وأكثر؛
جاء الكتاب في ستّة عشر فصلاً وأرفقها بملحق صور (46 صورة)؛
شرح لنا في الفصل الأوّل "على مدّ البصر في الفوتوغرافيا" أنّ الصورة الناجحة هي تلك التي تثير الأسئلة: ماذا قبل هذه اللقطة، ماذا بعدها، أين ومتى؟ وأخذ بيدنا ليدلّنا كيف نقرأ الصورة.
تناول الكاتب الصراع الأزليّ بين الصورة/ الفوتوغرافيا والدين وموقف الكنيسة المعادي للصورة في البدايات، وكان لا بدّ من تناول ولادة الفوتوغراف العربي ودحض النظرية الاستشراقية النمطيّة المعادية للشرق وللعرب وللمسلمين الذي حاول إنتاج معرفة مزيّفة ومشوّهة عن الشرق مع صور نمطيّة عمّا فيه من خراب وعنف وتعصّب وخواء واسترخاء.
خصّص الكاتب فصلاً عن العُري في الفوتوغراف من الإبداع إلى الابتذال؛ ففي البدايات ألهم الجسم العاري المصورين لجماله وتفرّده وقدرته على تجسيد الروح، ولكن الحروب سعت للسيطرة على الجسد وتحويله إلى آلة حربيّة تنفجر في الآخرين، أو يُعذّب أو يُقدّم قرباناً للإله، وخارج الحروب، يفرض اليومي (الديني والثقافي والحداثيّ) أنماطاً لاستهلاك الجسد وهندسة السيطرة عليه.
تطوّر التصوير والفوتوغرافيا شكّل ثورة في عالم الفن؛ وصرخ أحدهم محتجاً "منذ اليوم مات فنّ الرسم"! فنشأت الحركة السوريالية.
صارت الصورة في عصرنا ملكة الحروب دون منازع؛ ممّا حد بالولايات المتحدة (واحة الديموقراطية في العالم) أن تسن مجموعة من التعليمات والضوابط لإدارة عملياتها الإعلامية في الحروب، بعد هزيمتها المدوية في فيتنام، ففرضت قيوداً على المصورين الصحفيين، عدا القيود التي تحكم عمل مصوّري الجيش الأمريكي نفسه، بهدف السيطرة على نوعية ومحتوى ما يتم بثّه من صور فوتوغرافية وتلفزيونية، لضمان نشر صور "نظيفة" لحروبها، وحذت حذوها باقي الحكومات وحرب الإبادة على غزّة الشاهد الأكبر على تغييب الكاميرا والصورة لترتكب المجازر بعيداً عن عيون العالم.
تناول حمدوني في فصل بحثيّ خاص موضوع الصورة الصحفية "حقيقة وتلفيق وفنّ"؛ ووصل إلى قناعة بأن قواعد الموضوعية والأخلاق المهنية والمساءلة الصحفية أصبحت طيّ النسيان، تلك القواعد التي ضمِنت لفترة من الزمن دقّة الأخبار وأعطتنا القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو ملفّق، نعم، لقد تغيّرت المفاهيم والأدوار في التصوير الصحفي وأصبح كلّ جندي مصوّراً يسجّل الحرب ومتعته وملاحظاته حول جمال أفعاله أو وحشيّتها ويتبادل تلك الصور بكلّ فخر حول العالم دون حسيب أو رقيب.
كرّس حمدوني فصلاً خاصاً حول "إسرائيل الصورة/ الأسطورة الزائفة" عبر كاميرة روبرت كابا وتسخيرها وتجييرها لتزييف الواقع والتاريخ وأنتجت صوَره أساطير تؤسس لدولة الكيان وتؤكد أن قيامها هو حتمية تاريخية، تقوم على اختراع مفهوم الإسرائيلي المتحضّر والمدافع عن الأرض الذي يواجه العرب الكسولين غير المتحضّرين، وجعل من "حرب الاستقلال" حرب للدفاع عن النفس وصراع من أجل البقاء!
صوّر حمدوني تطوّر مشهديّة التصوير العفوي؛ تصوير الشارع/ التلصص على الحقيقة، حيث أصبحت الأماكن العامة مكاناً مفضلاً للفنانين والمصوّرين، وباتت تعكس أحوال الناس الحقيقيّة وظروفهم على طبيعتها ودون مكياج، فبات مصوّر الشارع يثير الأسئلة في صوره عبر الغموض والتشويق وترك مساحة للمُشاهد المُتلقّي للتفاعل معها، لا يقدّم الإجابات والحلول.
حمدوني صاحب فلسفة حياتيّة ورسالة وأمانة؛ ينادي بألّا يتحوّل الواقع إلى خديعة عبر الصورة والعدسة والكاميرا؛ فوصل إلى قناعة بأنّه يتوجّب على المصور أن لا يجعل صوره تقدم قصة كاملة، فهذا سيؤثر على تفاعل المشاهد ويخدعه، فيفضّل الاعتماد على التصوير بالأبيض والأسود، تيمّناً بأندرس بيترسون، ففيه إيحاء لوني أكثر من التصوير الملوّن، فالألوان تحجب ذهنياً بعض دلالات ومعاني الصورة.
يصل حمدوني، بقبّعته الفنيّة، إلى خلاصة مفادها أنّ دور التصوير الفوتوغرافي التقاط فكرة أو التعبير عن حقيقة وملهمه الفنان الفوتوغرافي أندريس سيرانو (صاحب اللوحة الشهيرة Heaven and Hell )، يصوّر سيرانو امرأة ورجل دين على خلفية متماوجة. المرأة عارية ومقيّدة من الرسغين بحبل، ترمي برأسها إلى الخلف ويتدفّق الدم من صدرها ورقبتها، بينما الرجل بلباس كاردينال كاثوليكي يستدير بعيداً، يشير فيها إلى علاقة الكنيسة بالنساء، ويبقى السؤال عالقاً: "هل الكنيسة على دراية بالمرأة كبشر، أم مجرد كائن موجود ومرفوض؟".
تناول حمدوني في الفصل الأخير فوتوغرافيا السحر الياباني، ممّا شوّقني لزيارة اليابان ورسم لي خارطة الطريق لزيارتها (حال الانتهاء من قراءة هذا الفصل حجزت وزوجتي سفر إلى اليابان في أكتوبر القريب).
لفت انتباهي أن الكاتب نوّه وأشار إلى المراجع والمصادر التي اعتمدها؛ كتب، ومراجع أجنبيّة، ومواقع إلكترونية ممّا أضاف المصداقيّة لتحليلاته ونقده وتأمّلاته.
ملاحظات لا بدّ منها؛ نوّه صالح في عدّة فصول "لم أرفق عيّنات لهذه الدراسة بسبب طبيعة الصور المعبّرة عنها، لذا يمكن لمن يرغب أن يبحث على شبكة الإنترنت عن اسم أي مصور ورد في الدراسة وستظهر له خيارات عديدة ومتنوعة"، ممّا أضحك حفيديّ ماهر وليم. لماذا هذه الرقابة الذاتيّة المقيتة؟
لم ترُقْ لي تقنيّة الصور المرفقة وأفقدتها الكثير الكثير من جماليّتها ممّا اضطرّني للبحث عن الصور الأصليّة لأفهمها وأذوتّها وجعلتني أفهم المقروء أكثر وأكثر.
وأخيراً؛ يشكّل الكتاب قفزة نوعيّة وإضافة مهمة للمكتبة العربيّة في مجال فن التصوير والفوتوغرافيا .
حقاً؛ صدق صديقي المصوّر المحترف صلاح أبو وهدان حين قال لي ذات لقاء: "خلّي الصورة تحكي".
دمت صالح وعدستك الثاقبة.

