• 25 شباط 2026
  • ثقافيات

 

عمان - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي : 

أعاد الشاعر والكاتب والناشر الاردني موسى حوامدة  نشر نص أديب مبدع مع قصيدة ذات احساس عالي تتحدث عن فاجعة فقدان الاب ، ويسعدنا في " أخبار البلد" المقدسية ان ننشر ذلك النص الأدبي الشعري كما هو ، متمنين للصديق موسى حوامدة  مزيدا من الابداع الشعري والأدبي : 

بعد وفاة أبي في 1-5-2003، دخلت في حالة نفسية شديدة التعقيد، صرت أقلب الأمر بشتى الطرق، لم يكن سهلًا تناسي الخبر، صرت أشعر أني شطرت إلى عدة شظايا، جزء مني يعيش هناك في فلسطين حيث عاش ومات أبي، جزء يعيش الواقع هنا في عمان، يحاول التكيف مع الحدث، والحقيقة أني دخلت في نوع من العزلة والتفكير، ومحاولة تقييم الأمر، وبتُّ أسيرَ حالة من الكآبة، وبدأت أحاول تقبل الأمر، فبدأت أكتب لكي أتجرع موته ببطء، وأصدق نفسي القول؛ أنني شعرت أن الجدار الذي كنتُ أسندُ قامتي عليه، قد انهار.

ربما تمرُّ لحظات، يتمنى الابن فيها اختفاء الأب، تجاوزه، معارضته، التمرد عليه، وحتى قتله، ولكن حين يموت فعلًا، تتبدل المشاعر والأفكار، تتبدل الأحكام والرغبات، ويشعر الابن بالضياع، ولماذا أتحدث بشكل عام، لأتحدث عن نفسي، فربما لا ينطبق كلامي على آخرين، لكن هذا ما شعرت به، حين جاء نبأ وفاته، وإن كنت من قبل أعلم حالته الصحية، وأتواصل معه عبر الهاتف، وأحاول رفع معنوياته.

لأعود ثلاث سنوات قبل موته، فبعد أن وجهت لي تهمة الردة على مجموعتي الشعرية "شجري أعلى" عام 2000 وبعد أن سمع بنفسه خطيب المسجد القريب منه، يكفِّرني، ويخرجني من الملة، ويتحدث عني بكلام آذاه نفسيًا، فلم يصبر وذهب إلى بيت الشيخ وعاتبه، وربما آذاني هذا الموقف نفسيًا أكثر من كل الفتاوى والمحاكمات والتهديدات والإجراءات التعسفية التي واكبت المحاكم الشرعية، ثم المدنية طيلة أربع سنوات، فلم أكن أرغب أن يقف أبي في هذا الموقف، وكأنه يستعطف الحاكم بأمر الله، أن يعفو ويغفر، عن ابنه الضال. وكأنه كان يعتقد أن محاولته توبيخ الخطيب أو لومه، ستعيد لي وله الإعتبار، وستقطع ألسنة الناس.

كتبت حينها قصيدة "أبارك لك الفجيعة"، ولن أقدم تفسيرًا وتبريرًا وشرحًا لها:

 

"أبارك لك الفجيعة"

لِديني للخراب

العَمار لا يناسبني!

**

الفتنةُ حطبٌ ناشف

لَعَنَ اللهُ من لا يسقي تُربَتَها

ويقلع الشوك من أرضها !

**

الموتُ أُستاذُ الحكمة

علّم الإمبراطوريات

دروساً لم يتقنها الفلاسفة !!

**

من لم يجربْ محنةَ التكفير

لم يعرفْ لَذةَ الحلاج !!

**

أبارك لك الفجيعة

كيف استطعت أن تحصد كلَّ هذا العواء

كيف استطعت أن تملأ رئتيك بماء الخرافة

….اللعنة...

حَلّت علينا لأَنّا رَضينا بك إلهاً نعبده

نحرنا لكَ القرابين

بالسكاكين التي ذبحتَ بها أولادَنا

أقمنا لك المعابد

لكنك أَرْبَكْتنا بالتفاسير

لم نشأْ أَنْ نجادِلْ

قلنا: هي محنةٌ ويعود إلى رُشده

سكرةٌ، وتوقظه أناتُنا؛ نحن البؤساءَ المنبوذين

فكرةٌ، أراد أنْ يمتَحِنَ بها ولاءَنا

لكنك تماديتَ فَصَيّرتنا الفكرة

وأرغمتنا على الإنبهار

ولمّا غنينا قلتَ:

ليس هذا الغناء الذي أريد

أَضَعتَنا وضيًعتَ نشيدَك فينا

لا نحن صوتَك ولا أنتَ نايَنا الذي نتوهم

أرجوحتنا ضعيفة الحبال

أشجارُ حديقتنا أقصرُ من عشب الأرض

تَعَلَّقْ إنْ شئتَ بخيط النار

كي نزيد لكَ الأذى

ونشعل الشمعدان!

*

ملعونةٌ أرضُكِ يا أورشليم

لم تفتحْ أبوابَها للعائدين على خطى الأجداد الغابرين

تركوا الفناءَ مليئا بالنمل وقالوا:

نقوا زوانَكم من الحَبِّ

كي تعرفوا طعمَ الحنطة

اشربوا لبنَ الحرمان

كي تدركوا أن النعمةَ في ضروع العافية!

أحسِنوا إلى أعدائكم

خاتِلوا موتاكم

تقرَّبوا من سياج الفضيحة

كي أباركَ ذريتَكم

أسوي شجرَ البؤس من لحاءِ أجسادكم

أُسخِّر الأنهارَ والبحار تغسلوا مآثركم المخزية

أبني لكم في جناني حدائقَ لا تضاهيها ناطحات سحاب!

…..

(كونوا قردة وخنازير)

كي يتباهى عدوكم بنصري

وحِّدوا التبعية

احذروا الشعراءَ الضالين

اقتلوهم أنَّى ثقفتموهم

كي تخلو لكم الأرض من رجسهم

وتضحوا عبيدا صالحين!!!

****

يا امرأةً تلبس عريَ البنفسج

تخلع غِلالةَ الأنبياء

تلحس عسل الكتب السماوية

ترتدي نيسانَ المجلَّل بالسواد

امنحينى شيئا من اللذة

أكَلَتْ أطرافَ جسدي الذئاب

توحَّدت القبائلُ في طريقة تقطيع مفاصلي,

اختلفوا على رؤية الهلال

واتفقوا على آلية نكاح الأَيامى

وهدر دمي!

**

لم أسو حقليَ بعد

فاجأتنى الغيوم قبل أن

أُعَشِّبَ الأثلامَ من كذب الرواة

أو أسقيَ النوقَ حليبَ الشياه!

**

قلتُ للفجيعة أُعذريني إن خاتَلتُكَ بعض الأمر

كرمي بوّار وأرضي محتلةٌ بالغرباء

أومأتْ: إنْ لم أُصبْكَ بما أوحيَ لي

تزلزلُ الأرضُ باطنَها

تدمرُ مَن على وجه البسيطة الكوارثُ !

أفدي البشرَ من شياطينك

ألوي وعيَكَ كي لا تعود إلى نبش الأسئلة !

**

أُمي اعذريني :

أني جعلتُ رحمَك موضعَ كفارٍ مفسدين

وأنت يا أبي اعذرني

أني جعلتُ شمسَك تُغرب

ليتك جعلتني متعةً تلك الليلة

هل كان ضرورياً

أن تريح نفسك حالماً بإله صغير؟

ألم تتذكر صلاة التهجد

ألم تنفعك خطبُ الجمعة

وآياتُ الرحمة

آذيتَ نفسكَ،آلكَ، أهلَك

نسلَك آذيت

وتسألُ: كيف أرفع رأسي من جديد؟

أنت حرٌ إن شئتَ ترفعه

تنكسه، تخلعه

هو رأسك وأنا حيوانُك الذي فَلَتَ منك دون حساب

فأعده إن اسطَّعتَ أو تبرأ منه

ولا تكن له من الشاكرين

الذلُّ يا أبي ليس غايتي

والمجدُ لا يعنيني

أنا ولدُ الفراشات التي لم تلدها نساءٌ ولم يمسَّها حيض أو نفاس

لا أحبُّ وظيفة الببغاء

ولا أُحسن مهنة الهدهد

أنا ولد الكلمات نعم

لكني لا أضع رأسي حيث يطلب مولانا الإمام

ولا أحني جبهتي للحاكم العسكري وحاجب السلطان.

 

أنتَ يا أبي غبارُ الخليقة

فلا تستأثر بمجد البنوة دون عارهم

أنا عارُك يا أبي

أنا فضيحتك بين أهلِك وعشيرتِك الكذَّابين

أنا فضيحتهم لو يفقهون

قل لهم: نسيتُ البسملة, خاب مسعاي

انسوه واحترموا إخوته

كِنُّوا له البغضاء ولأترابه الرحمة والتبجيل

وأنا بريءٌ منه كما بَرَّأَ مصرَ من دنس أعدائها

اقتلوا خطيئتي أو اطرحوه أرضا

كي تخلو لكم القرية

ويزهو بكم وجهي؛

....

( … لم أكن أدري أن الأبناءَ أعداءُ المرء أيضا فمن ألوم؟

ألوم النفسَ على حسرة ما اقترفت

ألوم المرأة التي لم تغلق رحمها

ألوم العَتمة لو كنتُ فرغت من النشوة في حضن الوهم!

ألوم أبي، جدي، أبا جدي، جدَّه، أجدادي كلَّهمُو

مذ تحركت فيهمو روحٌ وجالَ نفس

ألوم العقوقَ وخفةَ العقلِ

ولا ألوم الطبيعة فهي نبراسٌ لا يعرفه الجهلاء من الصبية..

كنتُ كتمتُ حبي للولد الذي ضيعتُ

أدرأ الكلام والحساد

أعلم أن نسلي صالح ومائي حلال

أبعِدُ الشرَّ بالشر واللعنات

أشتم المعلمَ الذي لقنه الحرف الأول

ألعن المدرسة التعليمَ الكتبَ الجامعاتِ

وفي السرِّ؛ يطير قلبي

تخفق أضلعي

أراه في الحلم

أسري إليه،

أكاد أحضنه

قلبي يحدثني أنه امتدادي في الحياة

عصاي التي أتوكأ عليها

خيط طموحي البعيد

قنديلي في الظلمة

ألثم وجهه

أتشهَّى تلك الليلة

أحنُّ إليها

لكنَّ قطعان الظلام

يريدون فصل الدم عن ماء الحياة

أردّدُ كما يرددون

ألعن كما يريدون

أشتم النفس والذرية

ينطق لساني بما لا تريد جوانحي

…….)

شاءت الحيل

أن أحرقَ في نار الحلاج

شاءت النكبات

أن أدفن في أتون السهروردي

شاءت القبائل

ألا أكشط المحارَ عن مشيمة الجهل

أعلنُ أن الطريق إلى جهنم

عبر رفقة أبي العلاء محرمة

شاءت الفجيعة

ألا أقبل دعوة أدونيس إلى فنجان قهوته

أرمي (الكتاب)

أردد مجد المتنبي

أحمل عارَ امرئ القيس

وأصمت….

عمان 4-5-2000م