- 3 تشرين أول 2026
- ثقافيات
بقلم : زيدان كفافي *
تعود لعلاقتي مع باريس لصيف عام 1978م عندما كنت أدرس للدكتوراة في معهد الآثار بجامعة برلين الحرة بألمانيا الغربية، حين قررت زيارة هذه المدينة لزيارة متحف اللوفر فيها، والاطلاع على مقتنياته الأثرية. وشاءت الظروف أن أشارك المرحومة "جنفيف دولفوس" من المركز الوطني للأبحاث بباريس ممثلاً لجامعة اليرموك في حفرية "أبو حامد" بغور الأردن ابتداء من عام 1986م، ففتحت لي المدينة أبوابها على مصراعيها وتوالت الزيارات والإقامات العلمية القصيرة، والطويلة، كان أطولها لمدة سنة كاملة في عام 2001م بعد أن حصلت على (وسام الفارس، سعفات النخيل الأكاديمية) من الحكومة الفرنسية، ومنحة لمدة عام بعد أن أصبحت عضواً في فريق بحثي في المركز الوطني للأبحاث (CNRS) . ومن المعلوم أن جامعة اليرموك ترتبط بعلاقات أكاديمية وبحثية قوية مع الجامعات والمؤسسات الفرنسية حتى الحاضر. ولا يفوتني أن أذكر بهذه المناسبة أن باريس شهدت بعدها وفي عام 2010م عقد "المؤتمر الدولي لتاريخ وآثار الأردن"، والذي يعقد كل ثلاث سنوات مرة برعاية سمو الأمير الحسن بن طلال أطال الله عمره.
تلقيت قبل أشهر قليلة دعوة من رئيسة قسم الدراسات الشرقية بمتحف اللوفر الدكتورة "أدريانا توما Adriane Thomas" لإلقاء محاضرة في المتحف على مسمع حاضرين يجلسون في مدرج سعته 500 شخص موجود داخل مبنى المتحف. وبطبيعة الحال سرني أن أتلقى مثل هذه الدعوة، فقبلتها، وعرضت على زوجتي "أم بشار" مرافقتي ليكون لنا سبب في إطالة الإقامة بباريس، ونعود لزيارة الأماكن التي زرناها مع أبنائنا قبل حوالي 25 عاماً، أي في سنة 2001م. وبالفعل غادرنا عمّان يوم 24/9 /2026م، وكان على الطائرة مجموعة من الأصدقاء والمعارف. وصلنا باريس بسلام، وأقلتنا السيارة التي أرسلت لحملنا من المطار إلى الفندق المخصص لنا. وبعد استراحة قصيرة في الفندق قررنا الذهاب إلى منطقة سان- ميشيل/ سان جيرمان لتناول الغداء/ العشاء، وكان لنا ما أردنا.
توجهنا في يوم 25/ 9/ 2026م إلى متحف اللوفر وكنا هناك في الساعة الحادية عشرة ، أي قبل موعد المحاضرة بساعة ونصف لتهيئة كل الأمور المتعلقة بالمحاضرة، وبعد أن انتهت كل الاستعدادات، جاءت مدير قسم الدراسات الشرقية في المتحف الدكتورة أدريانا توما (Adriane Thomas) والدكتورة ماريانا كوتي (Marrianne Cotty) من أعضاء القسم، وسعادة السفير الفرنسي بعمان السيد فراك جيلليه (Frank Gellet)، وعلمت أن مسؤولي السفارة الأردنية بباريس قد اعتذروا عن عدم الحضور لالتزامهم باستقبال البابا بباريس، كذلك فعل الصديق معالي الدكتور نايف الفايز / نائب مدير اليونيسكو للشؤون الثقافية ووزير السياحة والآثار الأردني الأسبق، الذي تكرم ودعانا في اليوم التالي على الغداء.
حسبما ذكر لي منظمو المحاضرة أنهم والمستمعين قد سعدوا بها كثيراً، وأنها عرّفت الناس بآثار الأردن على العموم، وموقع عين غزال النيوليثي والذي يعدّ من أشهر المواقع الأثرية العالمية من هذه الفترة، على الوجه الأخص. بعد الانتهاء من المحاضرة دعيت إلى حفل غداء رسمي في مطعم متحف اللوفر، حضرة مسؤولين في متحف اللوفر، وسعادة السفير الفرنسي بعمان. بعد الغداء قمنا بجولة في قسم آثار الشرق القديم، خاصة بلاد الشام بشكل عام، والأردن بشكل خاص حيث زرنا "تمثال عين غزال" وحسب ما علمت فإنهم يقومون الآن بتجديد خزانة عرضه لتوائم البيئة التي يحتاجها"، ثم رأيت "مسلة ميشع"، و"مسلة محارب شيحان". بهذا انتهت زيارتنا الرسمية لمتحف اللوفر، وفي اليوم التالي بدأت زيارتنا الشخصية (مع أم بشار) لزيارة معال باريس السياحية.
قررنا في اليوم التالي لزيارة معالم باريس السياحية، فذهبنا لنزور مبنى كاتدرائية نوتردام، ووجدنا أنها مغلقة، ولم يسمح بالدخول إلى ساحتها، وداخلها، بانتظار زيارة البابا لها. علماً أنني كنت أثناء إقامتي بباريس عام 2001م مواظباً على الدخول للكنيسة، وسماع الترانيم، وموسيقى الأورغ والسيمفونيات، إلاّ أننا لم نستطع أن نفعلها هذه المرة. ومما يشدني إلى هذه الكنيسة رواية فيكتور هيغو (Victor Hugo) وعنوانها "أحدب نوتردام" والمنشورة عام 1831م، علماً أن عنوان الرواية الفرنسي الأصلي هو (Notre-Dame de Paris) . وسميت بالعربية "أحدب نوتردام" نسبة إلى شخصية (كوازيمودو Quasimodo) قارع أجراس كاتدرائية نوتردام والذي كان أحدباً. والذي حضر الفيلم لا يمكن أن ينسى شخصيات الرواية الأخرى، مثل، إزميرالدا، وكلود فرولو، وفيبوس.
ومن المعالم السياحية الأخرى المشهورة بباريس "برج إيفل" والذي صممه المهندس الفرنسي (Gustav Eiffel) وشيد عام 1889م احتفالاً بالذكرى السنوية للثورة الفرنسية. وعندما أطل علينا البرج من ساحة "تركيدورو"، تذكرنا على الفور سؤال ابننا قيس عندما رآه أول مرة عام 2001م، وكان عمره حينها تسع سنوات، وسأل سؤاله "كم عدد العمال الذين عملوا به؟ وما هي المدة التي استغرقها بناءه؟ وكم كانت كلفة البناء؟ فلم نستطع إجابته، فسألنا صديقتنا جنفيف، فلم تعرف أيضاً. وحنى تجيب قيس، اشترت له كتاباً يتحدث حول كل هذه الموضوعات.
للمعلومة، يبلغ ارتفاع البرج 330 متراً، أما أقصى يمكن للزائر أن يصله هو 276متراً، ويمكن للزائر أن يصل ثلاثة مستويات هي على النحو الآتي:
- الطابق الأول على ارتفاع نحو 57 كتراً.
- الطابق الثاني: على ارتفاع نحو 116 متراص.
- الطابق الثالث: نحو 276 متراً.
قررنا في آخر يوم لإقاماتنا بباريس أن نزور كاتدرائية بازليك القلب المقدس في مونمارتر (Basilique du Sacré-Coeur de Montmartre) وهي مبنية فوق هضبة مرتفعة في الدائرة الثامنة عشرة، وهي مشرفة على مدينة باريس، ويتطلب الصعود إلى المبنى جهداً كبيراً لا يستطيع إلاّ صاحب حيل تسلقه والوصول إلى أعلى الهضبة، لكن السلطات الفرنسية حلت المشكلة ببناء مصعد ملتصق بسفح الجبل، كما نرى بالصور المرفقة.
ومن المعلوم أن فكرة بناء الكاتدرائية بعد الحرب الفرنسية البروسية 1870- 1871م، إذ أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية سنة 1873م بناء الكاتدرائية، وفاز ببنائها المعماري Paul Abadie سنة 1874م، ووضع حجر الأساس سنة 1875م. يتميز نمطها المعماري بأسلوب روماني- بيزنطي، وبهذا يختلف نمطها المعماري عن بقية الكنائس الباريسية الأخرى. كما أنها تمتاز بقبابها البيضاء اللون، وقبتها المركزية الضخمة وواجهتها البيضاء اللون، وإطلالتها على باري
عدنا إلى باريس بعد أكثر من خمسة عشر عاماً، لم يتغير بباريس سوا بعض الأسواق والمحال، أما المواقع والمباني السياحية فلم يتغير منها أي شيء وبقيت محافظة على هيئتها. وأقدم شكري مرة أخرى لمتحف اللوفر على دعوته الكريمة.
*استاذ شرف في جامعة اليرموك
- ملاحظة: جميع الصور من التقاط الدكتورة فايزة الشروف/ أم بشار.

