• 26 تشرين الثاني 2025
  • في إيتلية

 

 موسكو - أخبار البلد - كتب المراسل الخاص

لاريسا ميخائيلوفنا يوركو, فنانةٌ ينبض عملها بالصدق والدفء والإنسانية العميقة.  وُلدت عام 1979 في قرية تاراكليا، مقاطعة كوزيني، جمهورية مولدوفا. نشأت في أجواء السلام والصداقة والدعم المتبادل التي سادت الاتحاد السوفيتي. حينها، دخل الرسم حياتها - في البداية كهواية هادئة، ثم كوسيلة للتعبير عن المشاعر والذكريات. رسمت جدران منزل والديها، والبوابات، والأبواب - محولةً كل ما حولها إلى معرض فني حي.  لطالما كان الفن بالنسبة لها لغة قلب، وليس مهنة.

بعد انتقالها إلى روسيا مع عائلتها، عادت لاريسا ميخائيلوفنا إلى الرسم مرة أخرى - هذه المرة بوعي، رغبةً منها في مشاركة نورها الداخلي.

وهي عضو في اتحاد فناني روسيا و الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية. ومشاركة منتظمة وفعّالة في المبادرات الثقافية والفنية، ومشاريع المعارض، والفعاليات الخيرية. 

عُرضت لوحاتها مرارًا وتكرارًا في معارض مختلفة ، بما في ذلك تلك المخصصة لفلسطين، حيث تثير أعمالها صدىً وتقديرًا لا ينقطعان.

تجمع لاريسا في أعمالها بين الشخصي والاجتماعي،  اللطف والإيمان والرحمة والسلام.

 فلسطين أرضٌ تعايش فيها الألم والأمل لقرون،  ولهذا فهي تحتل مكانةً خاصة في أعمالها الفنية.

 تتحدث الفنانة من خلال لوحاتها عن الناس العاديين ومصائرهم وحقهم في العيش دون خوف. كل عمل من أعمالها ليس مجرد لوحة فنية، بل شهادة عاطفية على العصر، مفعمة بالمعنى والحب والإيمان بالإنسانية.

في لوحة " أحجار الرحى"  تتناول لاريسا ميخائيلوفنا موضوع العمل البشري البسيط والعميق في آنٍ واحد. تُصوّر اللوحة امرأةً مسنة ترتدي ثوبًا أخضر وغطاء رأس أبيض، جالسةً أمام حجر رحى قديم. تدير يداها المقبض الخشبي بثقة، محولةً الحبوب إلى دقيق. أمامها وعاء كبير من الحبوب الذهبية، رمزًا للحياة والعمل.

الخلفية متواضعة، ريفية، كأن الزمن قد تآكلها.

 لا تبحث الفنانة عن شفقة خارجية فبطلتها  هي تجسيد للصبر والقوة الداخلية، تُستحضر لوحة "أحجار الرحى" جذورًا، أناسًا بُنيت حياتهم على عمل بسيط ولكنه مقدس. تُجسد هذه الصورة فلسطين بأكملها،الأرض، والعمل، والإيمان بالمستقبل.

اما لوحة "شوارع بيت لحم" والتي تمثل بيت لحم القديمة - مدينة لا يزال الماضي يتنفس فيها الحجر ،شارع ضيق مرصوف بالحصى، تصطف على جانبيه منازل ذات مصاريع خضراء وأبواب ثقيلة، يغمره ضوء الشمس الخافت، ينساب على طول الجدران، خالقًا شعورًا بالسلام والدفء. يلوح برج نحيل في الأفق، كحارس للزمن.

 تستلهم الفنانة من الذكريات وروايات شهود العيان، خالقةً صورة لمدينة يتشابك فيها الخلود مع الحياة اليومية. "شوارع بيت لحم" ليست مجرد مشهد طبيعي، بل ذكرى لمكانٍ يغمره التاريخ والإيمان.

"أمام المتجر"

وتُصور لوحة " أمام المتجر"  صبيًا يقف أمام جنديٍّ مُسلّح بينهما صمتٌ مُتوتّر حيث يلتقي عالمان، الطفولة والحرب. وصل الصبيّ للتوّ إلى المتجر، لكن أمامه سلاح.

تتحدث لاريسا ميخائيلوفنا يوركو عن المأساة دون كلمات أو سفك دماء - فقط من خلال النظرات والوقفات. البطل الصغير صورةٌ مُركّبةٌ لأطفالٍ فلسطينيين أصبح الخطر جزءًا من حياتهم اليومية. لكن وقفته لا تُخفي الخوف، بل الكرامة. "أمام المتجر" لوحةٌ عن الصمود، عن حقّ الطفل في الحياة والمستقبل.

"ملاك في الجنة"

من أكثر أعمال الفنان تأثيرًا تُصوّر اللوحة طفلًا نائمًا، ملفوفًا بعلم فلسطيني وغطاء رأس تقليدي. ملاك يرفرف فوقه برقة في السماء. اللوحة بأكملها مليئة بالنور والصمت والحنان اللامتناهي.

هذه ليست مجرد لوحة طفل، بل رمز لجميع ضحايا الحرب الأبرياء - أطفال قُطعت حياتهم مبكرًا. تُضفي درجات اللون الأبيض السماوية شعورًا بالنقاء والسلام، بينما تُذكّرنا ألوان العلم بأن هذه الخسارة جزء من ألم أمة. "ملاك في الجنة" لوحة تذكارية، تُحوّل الحزن إلى دعاء والألم إلى نور 

"أطفال فلسطين"

أما لوحة " اطفال فلسطين " فلقد أُنجزت بأسلوب تعبيري أمام سماء تمزقها النيران والدخان، يركض طفل يصرخ هاربًا من انفجار. خلفه منازل مُدمّرة وألسنة لهب وطائرات تقصف بيوت المدنيين الفلسطينيين.

تظهر الفنانة أهوال الحرب من خلال عيون طفل، لا شعارات هنا فقط صرخات ألم ، يجسّد هذا الصبي آلاف الأطفال الذين دمرت الحرب طفولتهم. ومضاتٌ ساطعة من الأحمر والأصفر، تتباين مع السماء، تُولّد توترًا عاطفيًا يصعب تجاهله. "أطفال فلسطين" لوحةٌ تُعبّر عن هشاشة الحياة وحق كل طفل في اللعب ببساطة تحت سماءٍ هادئة.

"السلام في العالم"

في المقدمة طفلين صبي وفتاة تُطلق الفتاة حمامةً بيضاء، فيغمر ضوءٌ ذهبيٌّ كل شيءٍ حولهما خلفهما تتلألأ قبابٌ في الشمس، رمزًا الروحانية والأمل.

هذه اللوحة ترنيمةٌ للسلام واللطف ونقاء قلوب الأطفال. تتحدث لاريسا ميخائيلوفنا عن السلام ليس كمثالٍ سياسي، بل كحالةٍ إنسانية. نظرة الأطفال، وهدوئهم، والنور المحيط بهم تُذكّر بأن السلام يبدأ بشيءٍ بسيط: الحب والتفاهم.

"عرفات وبوتين"

هذا العمل مُكرّسٌ لموضوع الصداقة والتفاهم المتبادل بين الشعوب. تصور اللوحة لقاءً بين ياسر عرفات وفلاديمير بوتين في شبابه. تُعد مصافحتهما رمزًا للاحترام والدبلوماسية والرغبة في الحوار.

اختارت الفنانة لحظة إنسانية غير رسمية تكشف وجوههما وإيماءاتهما عن محاولة لإيجاد أرضية مشتركة. يرمز التباين بين الحجاب الفلسطيني التقليدي والبدلة الرسمية إلى التقاء ثقافات مختلفة تجمعها فكرة السلام. 

يُمثل اعمال لاريسا ميخائيلوفنا يوركو رحلة من الشخصي إلى العالمي. لا تعكس لوحاتها الألم فحسب، بل الإيمان أيضًا، والمعاناة أيضًا، والأمل أيضًا. تُثبت أن الفن يمكن أن يكون جسرًا بين العوالم، ولغةً للتحدث عن أهم الأشياء: الحياة والسلام والحب.