- 15 كانون أول 2025
- في إيتلية
بقلم : الفنان كمال ابو حلاوة *
أيتها الروح القديمة، يا من سبقتني في هذا الدرب الوعر، يا مونيه. أتحدث إليك من هذا الجانب من الزمن، وأنا أمسك بفرشاةٍ لا تشبه فرشاتك، وأخلط ألواناً على لوحةٍ ليست كتلك التي عرفتها. لكنني أشعر بأن نبض يدك لا يزال يخفق في معصمي. هل تسمعني؟ هل ترى ما أفعل؟
لقد تركت لي إرثاً لم يكن أسلوباً، بل كان جرأةً في النظر. علمتني أن أبحث عن تلك النقطة الواقعة بين العين والقلب، حيث يذوب الواقع ليصبح شعوراً، وحيث يتحول ضوء الصباح البارد على سطح الماء إلى رعشةٍ داخلية، وإلى حنينٍ لا اسم له. لقد رسخت فيّ إيماناً بأن الفن الحقيقي لا يوثق ما نراه، بل يخلق طريقة جديدة للرؤية. وأنا هنا، أحاول أن أخلق لي طريقة رؤيتي الخاصة.
تحديث الواقعية، وكنت أعتقد أنني أول من يفعل ذلك، حتى اكتشفت أن ثورتك سبقتني بمئة عام. لكن ما يربطني بك أعمق من مجرد التمرد. لقد أعطيتني الترخيص لأن أكون باحثاً قبل أن أكون فناناً. أن أضع التجربة قبل النظرية، والاكتشاف قبل الإتقان. فمثلك، لا أرى نفسي حرفياً بارعاً، بل أرى نفسي مستكشفاً في مناطق مجهولة من الشكل واللون والمادة.
كانت زنابق الماء التي رسمتها مراراً، في أوقات مختلفة من النهار، تجسيداً لهذا البحث المتواصل. كنتَ تبحث عن الحقيقة في تغييرها، في تدفقها. وأنا اليوم، أبحث عن الحقيقة في طبقاتها، في ذاكرتها، في حطامها و أجزائها المتناثرة. أستخدم الخشب العتيق والنسيج المهمل والمعادن الباردة، كما كنت تستخدم ضربات الفرشاة السريعة واللون النقي. كلانا يبحث عن الروح في المادة.
الضوء كان لغتك الأساسية، أما أنا فلي ألف لغة: لغة النسيج، ولغة الصدأ، ولغة الخدوش على السطح. لكن في العمق، كلامنا واحد. كلام عن زوال الأشياء وخلود اللحظة، عن الصراع بين الوجود والفناء، وعن ذلك الجمال العابر الذي لا يمكن إمساكه إلا بالفن.
يشبهني الناس إليك، حتى في الملامح كما يقولون. وأنا أضحك أحياناً وأنا أتخيل أن هذا ربما لأننا ننظر إلى العالم بنفس النظرة المتسائلة، بنفس الانبهار الطفليّ بالتفاصيل، وبذات التحدي الخفي في العينين. ربما ترك البحث المستمر علاماته على وجوهنا كما يتركها على لوحاتنا.
لقد جعلت من الانطباعية مدرسة، بينما أرفض أن أنتمي إلى مدرسة. لكن هل هذا الرفض نفسه ليس من صميم إرثك؟ ألم تكن أنت من علمنا أن الفن الحقيقي هو الذي يخلق قواعده الخاصة ثم يكسرها؟ أنت رسمت محطة سان لازار بالبخار والضوء الصناعي، متحدياً تقاليد رسم الطبيعة الريفية. وأنا اليوم أخلط بين التقليدي والمعاصر، بين المقدس والدنيوي، بحثاً عن بصيرتي الخاصة.
في سنواتك الأخيرة، عندما ضعف بصرك، اخترقت حدود التجريد. لم تعد ترى التفاصيل، فبدأت ترى الجوهر. أشعر أحياناً أنني في رحلتي أنا أيضاً أكاد لا أرى التفاصيل الواضحة للطريق، لكنني أمضي قدماً، وأنا أؤمن بأن اليد التي تبحث تهديها العين التي لا ترى إلا بالقلب.
أخبرني، يا معلمي الذي لم ألتقه، هل كان الطريق شاقاً؟ هل ضاقت بك السبل كما تضيق بي أحياناً؟ هل شعرت بأنك تُفهم خطأً، بأنهم يرون في جرأتك جهلاً، وفي بحثك عن الجديد تدميراً للقديم؟ ثم هل شعرت بتلك اللذة العميقة، لذة الاكتشاف، عندما تلمس يداك الحقيقة الفنية للحظة عابرة وتتمكن من تثبيتها على القماش؟
لن أقول إنني أتابع خطاك، لأن دربي مختلف. لكنني سأقول إنني أسير تحت نفس النجوم الفنية التي أضاءت طريقك. نجوم الشك الدائم، والبحث المستمر، والإيمان بأن الفن ليس حرفة نتقنها، بل هو سؤال نعيشه كل يوم من جديد.
أرسل إليك تحياتي من هذا العصر الصاخب، الذي يبدو أنه نسى الهدوء الذي تحتاجه الروح للتأمل. لكنني هنا، في مرسمي، أحاول أن أخلق هدوئي الخاص، كما خلقتَ أنت جنة جيفرني الخاصة بك. نحن لم نرسم العالم، يا مونيه، لقد اخترعنا عوالمنا الخاصة لنعيش فيها. ولعل هذا هو التشابه الأعمق بيننا.
مع إعجاب تلميذٍ لم يركَ بعينيه، لكنه رأى العالم بعينيك أولاً.
-
فنان تشكيلي معروف له مرسم و معرض يحمل اسم جاليري إطلالة اللويبدة،

