- 16 شباط 2026
- في إيتلية
موسكو - أخبار البلد - كتب المراسل الخاص
في عصر التكنولوجيا الرقمية والاتجاهات العابرة، بات الفن الأصيل نادرًا، ولذا تزداد قيمة لقاءات الفنانين الذين لا تُبهج أعمالهم العين فحسب، بل تُثير في القلب نبضاتٍ متسارعة وتُحفز العقل على البحث عن معانٍ أعمق. إيرينا كوتشيرجينا هي خير مثال على ذلك، لوحاتها أشبه بمونولوجات عن الأبدية مكتوبة بلغة الألوان والرموز.
ولهذا فلقد كان زواية " في اتيليه" ضيفا على الفنانة المبدعة، التي إيرينا في كومسومولسك-أون-أمور، المدينة التي يمتزج فيها سحر الطبيعة وقوة الصناعة في تناغم فريد، فاستوعبت تنوع العالم منذ نعومة أظفارها. لم يكن شغفها بتاريخ وثقافة الشعوب المختلفة مجرد اهتمام عابر، بل كان حاجة روحية لفهم الروابط الخفية التي تجمع بين العصور والحضارات.
وبدات مسيرتها الفنية في كلية إيركوتسك للفنون حيث كان الخطوات الأولى في مسيرتها المهنية؛ وفي عام
1966 تخرجت من قسم الفنون والتصميم الجرافيكي بجامعة خاباروفسك الحكومية حيث تعمّقت في نظرية وممارسة الفنون الجميلة وصقلت موهبتهها في معهد سوريكوف موسكو الحكومي للفنون (برنامج الرسم): فهم التقاليد الكلاسيكية من منظور معاصر.
اليوم الفنانة إيرينا كوتشيرجينا ليست مجرد فنانة معتمدة بل مشاركة فاعلة في الحوار الثقافي ايضا فهي عضو في الاتحاد الإبداعي للفنانين الروس؛ عضوة في الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية؛ مؤلفة المشروع الدولي "المرأة في الفن"؛ من أوائل المشاركات في مبادرات المعارض المخصصة لفلسطين.
فلسطين في أعمال كوتشيرجينا: ليست جغرافيا بل قدر
بالنسبة لإيرينا كوتشيرجينا، فلسطين أكثر من مجرد نقطة على الخريطة. إنها أرض الذاكرة، حيث يحمل كل حجر صدى الدعاء، وكل شعاع شمس يذكرنا بالخلود. سلسلة أعمالها عن فلسطين هي سجل فني ينسج التاريخ والإيمان والدراما الإنسانية في صورة واحدة.
"بركة فلسطين": رسالة عبر الزمن
تصوّر اللوحة غرفة حجرية تغمرها الأنوار بُنيَ التكوين على هيئة تعدد رموز:
الشخصية المركزية هي امرأة تحمل طفلاً نائماً. لا يقتصر وضعُها على الرعاية فحسب، بل هو تجسيدٌ للحماية الأمومية في وجه الشدائد؛
الخبز في يدي المرأة الثانية هو نموذج أصلي قديم للحياة، تذكيرٌ بأنه حتى في أحلك الأوقات، يبقى هناك متسعٌ للأمل؛ إبريق الماء في الخلفية استعارةٌ للخصوبة والولادة الجديدة، طفلان في المنتصف - تعكس نظراتهما سؤالاً جيلياً: "كيف سيكون الغد؟"؛ صورة المسيح وهو يبارك - نقطة توازن بين الأرضي والسماوي، بين ألم الحاضر ووعد المستقبل. تُشكّل ألوان اللوحة سيمفونية من الدرجات الدافئة، حيث يصبح الضوء تجسيدًا ملموسًا للأمل.
"صلاة من أجل السلام": بورتريه يتحدث دون كلمات.
أمام المشاهد شابة فلسطينية. حجابها الأبيض ليس مجرد عنصر من عناصر الزي الوطني، بل هو رمز لنقاء النية، حاجز شبه شفاف بين الدنيوي والروحاني.
ان ما يميز هذا العمل هو النظرة المُوجّهة إلى البعيد، لا تبحث عن إجابة، بل تدعو إلى حوار مع المشاهد؛ الأيدي المرفوعة - إيماءة تنتمي في آنٍ واحد إلى التراث التوراتي والعالم الحديث، حيث تبقى الصلاة الملاذ الأخير؛
بساطة التكوين - غياب التفاصيل غير الضرورية - تُعمّق الرسالة العاطفية: إنها ليست مجرد بورتريه، بل صورة لروح شعب.
"شارع فلسطيني": سجلٌّ للحياة اليومية تحوّل إلى ملحمة تغمر اللوحة المشاهد في جوٍّ من البطولة الهادئة للحياة اليومية:
المرأة التي تحمل طفلها في المقدمة ليست مجرد مشهد من الحياة اليومية، بل هي استعارة لاستمرار الحياة رغم كلّ المحن؛ الغسيل المنشور على الشرفات تفصيلٌ يحوّل اللوحة إلى ذاكرة حية للوطن؛ الكاتدرائية بقبابها الذهبية في الخلفية رمزٌ لثبات الإيمان الذي صمد أمام قرون من الحروب والتغييرات. هنا، يصبح كل عنصر - من شقوق الجدران إلى وهج الشمس - شاهدًا على التاريخ. إنها ليست منظرًا طبيعيًا، بل حوارٌ مع الأبدية. فلسفة الفن: بين التقاليد والحداثة
ما الذي يميّز أعمال كوتشيرجينا؟
اولا رمزية عميقة - تحمل كل صورة معنىً متعدد الطبقات، يمكن الوصول إليه بنظرة خاطفة أو بتحليل متأنٍّ. التوليف الثقافي: تمزج لوحاتها بين الشرق وروسيا، والتقاليد المسيحية، والقيم الإنسانية العالمية. الصدق العاطفي: لا تخشى الفنانة التعبير عن الألم، لكنها تترك دائمًا متسعًا للأمل. الإتقان الفني: تجمع تقنيتها في الرسم بين الدقة الأكاديمية والحرية الشعرية.
ويمكن القول انه في عالمٍ تتدفق فيه الأخبار بسرعةٍ فائقة، وتتشتت فيه أنظار الناس بين آلاف الشذرات، تُؤدي أعمال إيرينا كوتشيرجينا مهمةً بالغة الأهمية فهي تُذكّرنا بقيمة الذاكرة؛ تُتيح لنا مساحةً للتأمل؛ تُصبح جسراً بين الثقافات؛ تُعطي صوتاً لمن لا صوت لهم.لوحاتها ليست مجرد صور، بل هي دعوةٌ للتأمل في معنى الإنسانية في هذا العالم.
تُعرض أعمال إيرينا كوتشيرجينا اليوم، مُلهمةً الباحثين ومُلامسةً مشاعر المشاهدين. والأهم من ذلك، أنها تُواصل حواراً مع كل من يرغب في التوقف للحظة والتأمل بعمق في أعمالها، يبقى الماضي حاضراً، ويجد الحاضر معنىً. وهذه هي القوة الحقيقية للفن، القادرة على تجاوز كل الحدود.
وقد قامت مؤسسة سيدة الأرض بتكريمها في 22 يوليوم 2025 بالعاصمة الروسية موسكو، نظرا للجهود الكبيرة التي تقدمها منذ عدة سنوات من خلال الفن لدعم التضامن والصداقة بين شعوب روسيا وفلسطين، وتم ذلك خلال افتتاح مشروع، "من روسيا الى فلسطين... سنصلي بالقدس..."، وتسلمت شهادة تقدير وشهادة زراعة شجرة زيتون باسمها في فلسطين.

