- 5 شباط 2026
- يحكى أن
بقلم : خليل العسلي
في الطريق إلى اجتماع في حي واد الجوز بالقدس الذي هو ملعب الذكريات والطفولة والبراءة والجمال والعشق ، تفاجأت بمشهد لم اكن اتوقعه في شوارع القدس لاعتقادي أن القدس بأحسن أحوالها وأنه لا يوجد بها محتاجين وفقراء معدومين.
لكن الواقع الذي نعيشه في المدينة يصدمنا مرة تلو أخرى ، ويؤكد لنا اننا لا نعرف مدينتنا ولا نعرف اهلها، ومن يقول انه يعرفها فهو جاهل بكل ما في الكلمة من معنى .
فلقد وقع بصري على سيدة ضئيلة الحجم وقصيرة القامة بملابس سوداء اعتقدت في البداية انها فتاة وهي تقف أمام حاوية للقمامة وتقوم بيديها العاريتين بفتح أكياس القمامة السوداء لتخرج منها بعضا من العبوات البلاستيكية وبعض الملابس إن وجدت، وتقوم بوضعها في أكياس كبيرة أحضرت خصيصا كل على انفراد.
وقفت متجمدا (وهذا على غير عادتي) اشاهد هذا المنظر الغريب جدا ، المحزن المبكي في آن واحد ، وأنا في غاية الاندهاش ، فقد نجد شبابا يبحثون عن العبوات البلاستيكية في كل مكان من أجل جمعها وبيعها مقابل مبالغ زهيدة ( فهي تجارة) وهذا مظهر مألوف ، ولكن أن تجد سيدة تبدو من ملامحها او ما ظهر من هذه الملامح ( فهي تغطي معظم وجهها) أنها كبيرة السن ، فهذا شيئ غير عادي في المدينة التي أحبها الله ، وهذا دليل على العوز الشديد لهؤلاء الناس. .
وفجأة سمعت صوتا من خلفي يقطع هذا الصخب في أعماقي و يعكر هدوء الحي الغارق في سبات صباحي مقدسي يضفي سحرا لا يعرفه إلا من ولد وترعرع في كهذا أحياء ، فهذا الحي لا زال يحافظ على طابعه المقدسي القديم حيث المنازل لا تزال كما تركها الاجداد والابناء، أشجار الرمان والبرتقال والليمون في الساحات أمام المنازل والياسمين يتدلى على الجدران المداخل يبعث رائحة الياسمين البلدي في سماء الحي ..
" لا حول ولا قوة الا بالله .." كانت هذه العبارات التي أطلقها الصوت القادم من خلفي
" الله يعطيك العافية يا حجة .." فردت عليه بصوت ضعيف " الله يعافيك يا ابني.." بدون حتى ان تلتفت الى صاحب الصوت الذي اصبح بالقرب مني وقال لي :
لا حول ولا قوة الا بالله …. انظر الى هذه السيدة التي تفضل البحث في القمامة حفاظا على كرامتها ، من التوجه الى المؤسسات في المدينة بحثا عن مساعدة تمس الكبرياء وتحطم الكرامة .
فقلت له : لم اكن اتوقع ان اشاهد هكذا منظر في مدينتي !
فرد على : يا استاذ ان البلد فيها الكثير من العائلات المستورة التي لا يعلم بأحوالها الاقتصادية والمعيشية إلا الله وحده ، وهم متعففون يفضلون الجوع على الطلب ، والنوم بدون طعام على أن يروى في عيون الناس نظرة الشفقة .
وأكمل هذا الرجل الطويل النحيف الذي تدل ملامحه على أنه ليس بعيدا عن هذه الفئة من الناس حديثه بسلاسلة غريبة :
صدقني قبل قليل وجدت سيدة اخرى في حي المصرارة تبحث عن أرغفة الخبز الطرية في القمامة هناك وتقوم بجمعها . فسألته:
لماذا تفعلين ذلك ؟! كان ردها:
انا لدى من البنات ما يزيد عن التسعة وابحث عن خبز لهم .
قلت لها :
يا ابنتي ( فهي كانت صغيرة السن ) في القدس لا يموت الناس من الجوع ..
واعطيتها خمسين شيكل هي اجرتي لهذا اليوم من العمل في أحد المخابز هناك من الليل وحتى الفجر وقلت لها :
ان الله كبير، لا تحزني لا تزال الدنيا بخير .
وأكمل حديثه انه الله يرزق وان القدس لا تزال فيها بركة وانا متاكد ان هذه الفتاة التي تبحث عن الخبز لإطعام بناتها لا تريد أن تكسر كرامتها وتتوجه الى المؤسسات طلبا للمساعدة فهي من العفيفات في البلد ، وهي على يقين ان الله يرزقها وما نحن إلا وسيلة لكي نعطي ما أعطاه الله لنا .
قال كلامه هذا ومضى في طريقه حتى بدون أن ينتظر ردا مني، كأنه كان يتحدث مع نفسه بصوت عالي مضى مسرعا حاملا بيده اليسرى كيس من الخبز وبيده اليمني كيسا اخرى ، ذاهبا إلى بيته بعد العمل طيلة الليل في المخبز .. وهو يردد : إن الله يرزق ،، والله يرزقنا جميعا …القدس لا تزال بخير …
فتسالت:
هل حقا القدي بخير ؟!
فكان جوابي لنفسي طبعا : اتمنى ان تكون القدس بخير فرغم كل المصاعب والمصائب التي تعيشها المدينة وأبنائها ورغم ان الفقر الخفي في تزايد مخيف ، ورغم.. ورغم .. إلا أن هناك من يحمل في قلبه البريء البسيط ذرة من حب القدس وإيمانه العميق بأنها لا تزال بخير وأن التفاؤل عنوان حياته وأن البركة لم تترك المدينة حتى لو كان قوت يومه كسرة خبز طرية من عربة القمامة …
ولسانه حاله يقول الحمد لله على نعمه وعطاياه …

