- 23 حزيران 2015
- نبض إيلياء
خليل العسلي
ان حلمي هو ابن المدينة التي عشقها بجنون وعاش فيها ، ودفع ثمن حبه لها سنوات كثيرة خلف جدار الاعتقال ، يعتبره هذه السنوات هي ضريبة حبه لهذا الوطن ، لتلك المدينة التي تستحق منا الكثير ولكن القليل منا يعطيها هذا الكثير ، ولهذا فعندما خرج من هناك الى هنا كانت صدمته اكبر مما تصوره ! و تحطم حلمه الذي كان يحلم به كل يوم وكل ليله وهو خلف القضبان ، ففورخروجه من معتقل الاسمنت وجد نفسه في معتقل نفسيا اصعب واقسى واكبر ، واول ما قام به هو محاولة احياء ذلك المكان الذي تمتلكه عائلته منذ عشرات سنوات تزيد عن عمر اجيال متعاقبة ، هذا المكان ليس كأي مكان في القدس ، فهو المكان الذي خصص له احد الكتاب الفلسطينين كتاب يحمل اسمه ، هذا المكان يقع في مركز البلدة القديمة ، ومركز القدس الرومانية ، فعنده تلتقى شوارع القدس القديمة ، والتي يعود تاريخها الى ايام سيدنا عيسى عليه السلام ، بالتاكيد الكثير من القراء قد عرفوا المكان المقصود انه " مقهى الباشورة " التي كانت ملتقى جميع فئات الشعب ! فهي استراحة كل ضيف بطريقه الى المسجد الاقصى ، وهي كانت ملتقى السياسين والمناضلين من ايام العثمانين وحتى ايام الانتداب وانتهاء بالاحتلال الاسرائيلي ، هذا المكان كتبت عنه الصحف الاسرائيلية ملفات كاملة وصفحات عديدة بينما لم تخصص له اية وسيلة اعلامية محلية او عربية الحيز الذي تستحقه ذاكرة المكان والتي هي ذاكرة المدينة ان لم تمكن ذاكرة الوطن الضائع
ما علينا
المهم ، انه عندما حلمى خرج توجه مسرعا لتحقيق حلمه ولكن وبدون مقدمات توقف عن الحلم بان يحول هذا المكان الذي كان في يوم من الايام مقهى ثقافي وغير ثقافي الى ملتقى لضيوف القدس الكبار من عرب وعجم مسلمين ومسيحين ، والى مكان يجتمع فيه المثقفون والادباء والسياح، ليشعروا بنشوة التاريخ فيه ، وليلمسوا اعمدة بناها الرومان ورممها بني امية وحافظ عليها السلاطين العثمانين وحاول سرقتها الانتداب ومن بعده الاحتلال
حلمى لم يعد يحلم لانه لم يجد اي من الغيورين على المدينة وعلى ارثها وتاريخها ، فكل من قابلهم من مسوؤلين من جميع الجهات وخاصة الجهات المحلية وجدهم جهلة باهمية حلمه ، بل انه وجد عندهم من يحاول لفظه خارج المؤسسة الوطنية التي قدم لها زهرة عمره ، وجد حلمى الصريح جدا !!! جهات مستعدة لتبنى حلمه شريطة ان يصبح هذا الحلم جزء من المنظمومة التي يدورون في فلكها ، وهذا ما يرفضه حلمى ر فضا قاطعا ، فحلمه مستقل ويجب ان يبقى مستقلا حتى يكون صورة حقيقة للمدينة المقدسة
حلمى توقف عن الحلم بعد ان وصل الى قناعة انه لم يبقى الا الانتهازين والمتسلقين ، ذو المصالح الشخصية الضيقة الذين يريدون ان يقبضوا الثمن قبل تحقيق الحلم !!
حلمى توقف عن الحلم بعد ان اغلقت جميع الابواب التي طرقها من اجل تحويل الحلم الى حقيقة تثبت الحق العربي في البلدة القديمة ، هذا الحق الذي بات مشكوكا فيه نتيجة عمل الاخر بصورة حثيثة وممنهجة على تثبيت حقه ودفن حقوق الاهل الاصلين المنشغلين بصغارالامور
حلمى توقف عن الحلم حتى يتمكن من الحفاظ على ما تبقى من حبه للمدينة ، وحتى يتمكن من الحفاظ على ذلك المكان الذي هجره بعد ان كفر بكل ما هو سائد حاليا في المجتمع المقدسي الذي يعيش حالة فلتان امنى وسياسي ونفسي واجتماعي واخلاقي ، فالقدس تحولت لتكون غابة لا مكان فيها للضعيف او المقطوع من شجره ولا عشيرة او قبيلة وراءه
حلمى لم يعد يحلم وقرر الاعتزال والتوقف عن الحلم بغدا افضل والاكتفاء بان يعيش اليوم في مكان يلتقى فيه من تبقى من الاصدقاء ويتصدى منه لرواية الاخر بصورته الجهور المبحوح ولغته الانجليزية المكسرة
فحلمى وبحق خير ممثل للقضية الفلسطينية وخير متحدث فاق بسلسلة افكاره الكثير من السياسين والمحللين الذين نشاهدهم صباح مساء وهو يتأتؤون ويتلعثمون امام الشاشات ويعرضون افكار مشوشه مثل نفسياتهم
وهكذا خسرت القدس حلم اخر من احلام ابناءها المخلصين بسبب قصر نظر المسوؤلين وانانيتهم واحتقارهم للمختلف عنهم
وبعد ذلك نراهم يتساؤلون كيف ضاعت القدس ؟ لقد ضاعت القدس بفضل جهودكم الجبارة ، فالقدس بحاجة الى حلم يتحول الى واقع ، نريد الحالمين المخلصين من امثال حلمى
وللحديث بقية

