• 6 حزيران 2017
  • نبض إيلياء

 

 

  في مثل هذا اليوم قبل خمسين عاما إكتشفت جدتي ( جدة والدي)  أن حفيدها “ احمد “ المحبوب على قلبها، والذي كان يعمل كل ما باستطاعته لمساعدتها وإسعادها قد  استشهد !!! إكتشفت إنها لن تعود تنتظره على باب منزلها القديم ليطل عليها بقامته الطويلة وشعره الذهبي،  وبدلته الانيقة ونظارته الراقية ،  إكتشفت أنها لن تسمع بعد الان ضحكاته في فضاء منزلها الذي بنته بيديها قبل عشرات السنين ليكون اول منزل يتم بناءه في حي واد الجوز،  إكتشفت أن ذلك الغريب اخذ منها قطعة من روحها ومن قلبها  اخذ منها حفيدها .

  فما أن هدأ ازيز رصاص المحتل الذي امطر الأحياء العربية في القدس بما في ذلك حي واد الجوز ، حتى خرجت جدتي الشجاعة والمقدامة رحمها الله  من منزلها ، لتكتشف جثث الشباب وقد انتشرت في الشارع الضيق بالحي ، ولتصطدم اثناء تفقدها تلك الجثث على آمل أن تنقذ احد الشبان ، أن احدى الجثث التي كانت ممددة تحت شجرة التوتر  بالقرب  من سور دار ناصر الدين قابله منزلها هي لحفيدها ، والذي هو والدي ، تمالكت نفسها قد استطاعتها  امام مجموعة النسوة اللاتي قررنا الخروج بعد ليلة ويوم من اطلاق كثيف للرصاص من جميع الجهات ، الا ان الدموع خانتها وإنسالت على وجنتيها الحمروتين بسبب حرارة صيف حزيران.  

وجدت أن حفيدها كان بطريقه اليها تاركا خلفه زوجته واولاده على بعد امتار من منزل جدته ليطمئن عليها، فلقد داهمت حرب عام سبعة وستين المقدسيين بصورة مفاجئة ، وبدون سابق انذار انطلق الرصاص من حدب وصوب وخاصة من جهة جبل الجامعة العبرية القابع فوق حي واد الجوز ، تلك الجامعة التي كانت بمثابة وبال ودمار على اهل حي واد الجوز ، حيث كانت السبب في قتل العديد من الشبان والجنود الاردنيين في ذلك الحي الذي لم يشهد اشتباكات بقدر ما شهد عمليات قتل  وتصفية وقنص لكل ما تحرك . 

قالت جدتي بعد سنوات طويلة احتفظت بتلك الذكريات المريره في داخلها أنها صدمت لرؤية أن جميع من اسشتهد في ذلك اليوم اصيبوا بنفس الطريقة وبنفس الاماكن بالجسد ، وكأن احدهم كان يصطاد خيرة الشباب، ويتمتع بمنظرهم وهو يموتوا ببطء ويغرقون في حرب من دمائهم الذكية التي روت شوارع القدس !!  احد الشبان استشهذ وهو يحمل كتاب استعداد لامتحان الشهادة الثانوية!!  وجندي اردني  استشهد قبل ان يكمل اكل قطعة خبز محشوة بالحلاوة…. وغيره من القصص المروعة عن حرب  كانت بمثابة مجزرة للاحياء العربية ! 

 وتكمل الجدة  ان حفيدها” احمد “  والدي كان قد استشهد وبيده يندقية حصل عليها من جامع عابدين قبل دقائق من استشهاد، تلبية لدعوات المؤذن بالدفاع عن الحي ، المصيبة ان البندقية كانت قديمة والرصاصات معدودة، لا أعتقد انه تمكن من اطلاق اي منها ، فالقناص اليهودي كان لجميع من خرج من الجامعة بالمرصاد. 

 استشهد والدي إلى جانبه جندي اردني، كما قالت جدتي التي قامت بسحب جثة حفيدتها الى حديقة منزلنا ، وقامت بدفنه بمساعدة بعض النسوة تحت شجرة التوتر القديمة الضخمة التي كانت في يوم من الايام مسرح لذكريات والدي وملعب لطفولته وشبابه وكما تسلقها باحثا عن ثمارها اللذيذة! كما قامت جدتي بدفن حثث الجنود الاردنين بارض فارغه خلف المنزل ! 

 إستشهد والدي في مثل هذا اليوم قبل خمسين عاما،  وقبله بساعات إستشهد عمه وكان شرطيا اردني بالقرب من متحف روكفلر بعد ان امطر المحتل المعسكر بالقذائف والرصاص فقتل من قتل وهرب من هرب ليكون الموت بانتظاره في الشارع ، وبعد اسبوع من الحرب قطعت يد إبنه ماهر بسبب عبث احد اصدقاءه بقنبلة من خلفات الجيش الاسرائيلي في كرم الهدمي بواد الجوز مما احدث انفجار كبيرا اسفر عن مقتل اثنين من الشباب واصابة ثلاثة اخرين احدهم ايضا قطعت يده وهو من عائلة حواش 

ان وقع استشهاد والدي كان له بالغ الأثر على والدتي التي اصيبت بانهيار ادخلت على اثره لمستشفى الهوسيبيس ، فلقد وجدت نفسها في لحظة وحيده في هذا العالم مع ابناءها الثالثة اكبرهم لا يتجاوز الخامسة من عمره وحامل بابن رابع  ، بعد ان أخذ المحتل زوجها واخذ معه احلامهما بحياة مقدسية عادية هادئة !!

 ما علينا 

 ان من يقول ان قصة احتلال القدس كان نزهة ربعية عابرة فهو مخطئ، وان من يقول ان الاحتلال جرى بهدوء فهو مخطئ ايضا، فقصص احتلال القدس  ليست عادية ، ففي كل بيت هناك شهيد او مصاب ، لم تكن الحرب سهلة وبدون ضحايا بل ان الدماء قد سالت في كل شوارع وازقة واحياء القدس القديمة والقدس الجديدة. 

 فالمحتل لم يرحم احد ، وكان القتل هو العنوان لتلك الايام  الحالكة السواد، فمنذ ذلك الوقت والقدس تعيش في سواد حتى يومنا هذا.   

 والدتي منذ ذلك الوقت لا تزال تعيش صدمة الحرب فهي ترفض الحديث عن هذه الذكريات المؤلمة، بل انها ترفض حتى الاستماع الى الحروب ، وتقول دائما لا توجد حروب نظيفة او حروب سهلة ، الحرب تعنى القتل والدمار والدماء ونحن في القدس اكتوينا بتلك النار وسالت دماء اعزائنا فيها

فلا احد يزاود على القدس واهلها ، فهي المدينة التي الاكثر معاناة من تلك الايام قبل خمسين عاما ، وهي المدينة التي لا تزال تعانى اكثر من غيرها من هذا الاحتلال ايضا …

رحمك الله يا والدي ورحم جميع شهداء تلك الحرب !!

وللحديث بقية  

 

                                                                                                 خليل العسلي