- 31 كانون أول 2012
- نبض إيلياء
وأنا في طريقي إلى المكتب وأفكر بمقالة نهاية العام عن القدس، التقيته بطريق في موقف السيارات قرب مدرسة المطران ، وسرنا معنا حتى باب العامود ، لم اسأله عن أحوال فهو صاحب حانوت معروف بالبلدة القديمة ، فالجميع يعرف الأحوال الاقتصادية في القدس ، فأكثر من أربعين بالمئة من أهلها عاطلين عن العمل ، وهي أعلى نسبة بطالة في الضفة الغربية وفي إسرائيل على حد سواء ( الحمد لله حتى لا يحسدنا إخواننا في الضفة الغربية ).
عندئذ بادرته بالسؤال عن أحوال البلدة القديمة التي يعرفها عز المعرفة ويقضى فيها غالبية يومه وأطراف مسائه ، ، فكان رده صريحا لدرجة الإيلام، صريحا لدرجة أن وقعه على الأذن ثقيل، قال الكثير الكثير ، وخلاصه ما قال: أن الجميع ينهب باسم القدس، فمن جهة تجد من يطلقون على أنفسهم مسوؤلين يبحثون عن مصدر تمويل من أجل حلبه باسم القدس ، ومن جهة أخرى تجد المسوؤل الأجنبي عندما يصل إلى المدينة يجتمع ويلتقى ويتحدث، ويدون ملاحظات ويعد بتقديم المساعدة والاستشارة وكل ما يستطيع( وهو يستطيع) ولكن في نهاية الأمر نجده في ذلك الفندق وفي هذا المطعم يقضى الأيام بلياليها، ويعود إلى بلده كما خرج منها ، ويضيف الصديق ابن القدس : المدينة بالنسبة لهذا المسوؤل الأجنبي هي سياحة ونقاهة، فلماذا يتعب نفسه بهموم أهلها، التي يعتقد أنها اكبر منه .... وهكذا يبقى أهل البلدة لوحدهم فلا السلطة قادرة ولا تريد، ولا المؤسسات الأجنبية ترغب، وكل من يطلق على نفسه مسؤول يغنى على ليلاه ..
ما علينا
المهم ، أن هذا التاجر المعروف جدا قال في نهاية الحوار قبل افتراقنا، عند ملتقى باب العامود بشارع السلطان سليمان والمصرارة : " إن هذه الأرض لن يحرثها إلا عجولها ، وهذه القدس لن يحميها إلا أهلها من كبار وصغار، وانس البقية ....
صديقى هذا رسم صورة واقعية للقدس عام 2012، وبالتأكيد العام الجديد لن تكون الصورة فيه أكثر وردية بل أكثر إيلاما ، فالقدس وفق جميع الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية (طبعا) هي أكثر فقرا حيث يعيش قرابة 80 % من سكان العرب تحت خط الفقر، وهذه النسبة هي الأعلى في إسرائيل ( رغم محاولة احد الناطقين باسم السلطة الفلسطينية في القدس وفي حديثه مع بعض وسائل الإعلام التقليل من هذا الرقم بقوله إن هذا الخط وفق المعايير الإسرائيلية والتي هي أعلى من تلك في الضفة الغربية متناسيا أن مستوى المعيشة ونفقات الحياة في القدس أعلى بكثير من أي مدينة فلسطينية أخرى).
مدينة القدس في عام 2012 لا تزال تعانى من التمييز العنصري الواضح في الخدمات مقارنة مع تلك المقدمة لغربي المدينة من قبل بلدية القدس التي تخصص 13 % من ميزانيتها للسكان العرب الذين يمثلون 36 % من مجموع سكان المدينة المقدسة،
مدينة القدس في عام 2012 هي أوسخ بكثير من العام الذي سبقه وأوسخ من غربي المدينة، فجمع القمامة لا يكون على شكل يومي ،مما يراكم النفايات ، كما ان عامل النظافة العربي عندما يعمل في أحياء غربي المدينة بإخلاص زائد ويحول الأحياء الغربية إلى أحياء أنظف من منازل البعض، أما عندما يعمل في القدس الشرقية فانه يفضل أن يتجول بين زبالة الأحياء وكأنها جزء من المشهد اليومي العربي ... وما ينطبق على عامل النظافة ينطبق على غالبية العمال والموظفين العرب في المؤسسات الإسرائيلية فهم أكثر إخلاصا في الغرب وأقل إنتاجا في الشرق.
مدينة القدس عام 2012 هي أكثر يهودية من قبل، فالهجمة لتهويد المدينة وصلت إلى مستوى بات السائح الأجنبي يعتقد أن القدس لم تكون في يوم من الأيام لا مسيحية ولا مسلمة، كما قال احد الأشخاص الذين يعملون في حقل السياحة ومرافقة الوفود الأجنبية ، معللا ذلك بكثافة الجهد الذي تبذله المؤسسات الإسرائيلية المختلفة في إبراز الرواية اليهودية في كل مناحي الحياة اليومية والتاريخية والثقافية والدينية في المدينة، مما حول العرب فيها إلى كومبارس لإكمال المشهد اليهودي التلمودي ..
مدينة القدس عام 2012 أكثر جهلا، فلا زال أكثر من 20 ألف طفل وطفلة بدون أي مؤسسة تعليمية ، كما أن نسبة التسرب من المدارس هي الأعلى من بين مدارس الضفة الغربية، والجميع يتهرب من مسؤوليته عن تدهور أوضاع التعليم في القدس ، فلا مدارس السلطة مستعدة لتطوير نفسها من اجل القدس وأبنائها ، ولا بلدية القدس مستعدة لتحمل مسؤوليتها على التعليم المتردي في شرقي المدينة ، ولا القطاع الخاص الفلسطيني الذي لا يعرف إلا أن يتحدث مستعدا للاستثمار في هذا القطاع ، ففي الملتقى الأخير للأعمال في القدس كانت ورشة التعليم اقل ورشة تجد فيها ممثلين عن القطاع الخاص، وبعد ذلك يصرخون أغيثوا القدس....
ورغم هذه الصورة الواقعية القاتمة عن أحوال القدس إلا أن الأمل لا زال يتجول في أزقة القدس وحاراتها ناقلا إشعاعه ليصل إلى منازل وقلوب المقدسين، ولولا هذا الأمل لتوقف الحياة في القدس
وكل عام وانتم بألف خير
وللحديث بقية ....

