- 13 حزيران 2013
- نبض إيلياء
اثناء مروري امام "قصر الحمرا" او ما تبقى منه في شارع صلاح الدين ، اول ما وقع على نظري ولفت الانتباه اختفاء اليافطة ذات اللون الاحمر والاصفر والتي تحمل اسم "قصر الحمرا" ليحل محلها لاشئ.. سوى فراغ ابيض ،فشعر بغصة في القلب، وقلت لنفسي لعلني ابالغ لشدة حبي لكل ما هو مقدسي ! ولكل مبني هو جزء من ذاكرة المكان والانسان والمدينة، هذا الشعور لا يعرفه الا المقدسيون فقط الذين عاشوا ويعيشون هذاالامتزاج بين الماضي والحاضر بين المكان والزمان بين العراقة والحداثة، فقررت الدخول عسانى اكون مخطئ، فاقربت من البوابة الزجاجية الرئيسية فكانت معطلة وهذه ايضا اشارة سيئة اخرى ، فدخلت من الباب الجابني ، ويا ليتنى ما دخلت !!! فلقد تغير كل شئ منذ اخر مرة جلست فيها بهذا المكان الفريد الرائع انا الصحبة المميزة ، وتنبادلنا اطراف احاديث مقدسية ، وعلت في فراغ هذا المكان الضحكات والنكات والاحاديث ثقافية فنية ، فراودني شعور بان المكان اصبح لا بروح، فحيطانه بيضاء كجدران المستشفيات ، بعد ان اختفت صور الماضي ! صور الافلام التي كانت سينما الحمرا تعرضها قبل عشرات السنين ، تلك الصور كانت تحكى حكاية مكان، حكاية مدينة كان اهلها يعشقون الفن والثقافة ، فكان الذهاب الى السينما عندهم له طقوس غاية في الروعه ، لا يعرفها اي من الجيل الجديد المسكين والذي فقد الماضي وخسر الحاضر ، تلك الصور التي كانت تعطى نكهة خاصة قال عنها المدير الجديد بانها كلام فاضي، ويا ليته سمع ما قاله صديقي الصحفي البريطاني المتخصص بالسياحة عندما شرب فنجان قهوة في سينما الحمرا ذات مساء شتوي بارد ،"هذه الصور بهذه الطريقه تجعل الانسان يعود بسرعة البرق الى الماضي وتربطه بالمكان فورا" هذه الصور ليست كلام فاضي لانها روح المكان وهي همزة الوصل بين ماضي المكان وحاضره الذي لا يبدو انه مشرق على الاقل حاليا، فلقد تحول هذا المكان المميز من حيث الهندسة والتاريخ والذكريات الى قاعة اعراس، ومطعم للسياح، الذين لا يرون شئ من القدس وخاة بشطرها الشرقي فهم مصابون بعمى اسرائيلي !!!
ما علينا
المهم ، ان ما شاهدته في "قصر الحمرا" ، والذي تم حتى التخلى عن شعاره القديمة الذي كان يحتوى على شئ من الاصالة الى شعار لا معنى له ويدل على سطحيه من قرره، فهذا المكان وغيره الكثير من الاماكن في القدس تحتاج الى اشخاص مميزين يعرفون القدس اولا واهلها ثانيا عز المعرفة، ولسنا بحاجة الى مدراء بنكهة غريبة عن المكان والزمان والاهل ، مدراء قد يعرفون ادارة الشركات ولكنهم لا يعرفون ادارة حانوت في القدس فهذا فن بحد ذاته ، واذكر انى اخبرت ذلك احد المسوؤلين الكبار في الشركة الام التي اشترت الجزء الاكبر من قصر الحمرا، واكد انه يتفهم حساسية واهمية ان تتم ادارة القصر بروح مقدسية ...! ولكن يبدو ان كلام الليل يمحوه الصباح
ان ما اصاب قصر الحمرا واتمنى ان تكون تلك النكسة انيه وسريعه ، لانه في القدس عندما تنهار مؤسسة ذات تاريخ ضارب جذوره في اعماق الارض المقدسة، لن تستطيع النهوض مرة اخرى حتى لو خصصوا الملايين من الدولارات لانقاذها ،( وهم قادرون على ذلك) فستبقى بلا روح ، كما حدث مع قصر اخر في القدس عجزت الادارة استيعاب اهمية المكان وفشلت فشلا ذريعا في ادارته بالصورة التي تليق به ولم تحافظ على هذا الارث الهام، لدرجة انه اصبح مقر للاشباح ، ولاحقا تم تحول الجزء الاجمل منه الى مقهى . لو عرف صاحب هذا القصر ماذا حل بقصره الذي كان مقصد الفنانين والكتاب والشعراء والسياسين العرب لتخلى عن قدسيته وعن كل ما هو عربي...
ان ما اصاب "قصر الحمرا "من تجاهل لتاريخه ومكانته هو نفس ما يحدث في المؤسسات المقدسية الاخرى، والتي تنهار الواحدة تلو الاخرى لا بيد الاحتلال بل بيد اداراتها التي تحاول خلق شئ بلا جذور من تلك المؤسسات
شعرت وانا اغادر قصر الحمرا وكأن المكان يودعنى ويهمس باذنى او يصرخ ولكن لا احد يسمعه ، ويقول : ودعنى يا بني كما ودعت من قبلي الكثير من المباني التاريخية والتي تحولت الى اماكن لهو وخرابات ! ودعني يا بني فاخر مرة زرتنى فيها كنت بحال ! واليوم انا بحال لا يعرف الا الله كيف سيكون حالي قريبا
قال قصر الحمرا : ودعنى ولكن لا تنسى ان تخبر الاجيال القادمة عن حكايتي، قطعت له هذا الوعد
وللحديث بقية

