• 16 شباط 2026
  • من اسطنبول

بقلم: الدكتور علي قليبو

 اسير في أزقَّةِ حي"الفاتح" في مدينة اسطنبول العتيقة المرصوفةِ بالحنينِ؛ تُحيي ذكرى القدسِ قبلَ عمليّاتِ الطَّمسِ والتهويدِ، ويستوقفني مدخلٌ مهيبٌ في ظلِّ مئذنةٍ أنيقةٍ لمسجدٍ قديمٍ يقودُ إلى مدرسةِ «سِيَاوُش بَاشَا» العَرِيقَةِ، الَّتِي وَضَعَ تِصْمِيمَهَا المِعْمَارِيُّ الشَّهيرُ «سِنَان»؛ لأجدَ صوامعَ دراويشِها قد أصبحتْ متحفَ "الحِلْيَةِ الشريفةِ والخطِّ العربيِّ". فالمسلمون وبدافعِ التَّنْزِيهِ الَّذِي يَمْنَعُ المُحَاكَاةَ الصُّورِيَّةَ- جَعَلُوا مِنَ «الحِلْيَةِ» بَدِيلاً بَصَرِيّاً مُدْهِشاً وَمُغَايِراً لِلْفَنِّ التَّشْكِيلِيِّ الأُورُوبِّيِّ الوَاقِعِيِّ؛ حَيْثُ يُعَادُ «رَسْمُ» المَلَامِحِ الشَّرِيفَةِ لَا عَبْرَ الأَلْوَانِ وَالظِّلَالِ، بَلْ عَبْرَ رَمْزِيَّةِ الكَلِمَاتِ وَصَفَائِهَا؛ لِيَغْدُوَ الحَرْفُ العَرَبِيُّ هُنَا مِرْآةً تَعْكِسُ جَلَالَ الجَمَالِ النَّبَوِيِّ النُّورَانِيِّ.

تَدْخُلُ مِنَ البَابِ الشَّرْقِيِّ لِتَجِدَ نَفْسَكَ فِي سَاحَةٍ رَحْبَةٍ، تَتَوَزَّعُ حَوْلَهَا الغُرَفُ فِي تَشْكِيلٍ هَنْدَسِيٍّ يَتَّخِذُ شَكلاً قَرِيباً مِنَ «المُثَلَّثِ»؛ تَمَاشِياً مَعَ زَوَايَا المُنْحَدَرِ الَّذِي يَعْلُوهُ مَسْجِدُ السُّلَيْمَانِيَّةِ؛ حَيْثُ تَصْطَفُّ صَوَامِعُهَا فِي الوَاجِهَةِ كَعِقْدٍ مَنْظُومٍ، تُحِيطُ بِسَاحَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ تَتَوَسَّطُهَا حَدِيقَةٌ غَنَّاءُ تَضُوعُ بِعَبِيرِ الوَرْدِ الجُورِيِّ؛ وَكَأَنَّ أَرِيجَ الزَّهْرِ هُنَا هُوَ المُقَدِّمَةُ العِطْرِيَّةُ لِحَضْرَةِ النَّبِيِّ المَوْصُوفِ ﷺ.

كَانَتْ غُرَفُ هَذَا المُثَلَّثِ الأَنِيقِ مَحَجّاً لِطَلَبَةِ عِلْمِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَلُغَةِ الضاد ، أَمَّا اليَوْمُ فَقَدْ أَصْبَحَتْ مَتْحَفاً يَعْرِضُ مَجْمُوعَةً كَبِيرَةً مِنَ اللَّوْحَاتِ الدِّينِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالتُّرَاثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ؛ حَيْثُ تَلْتَقِي الكَلِمَةُ وَالخَطُّ العَرَبِيُّ لِيُشَكِّلا إِطَاراً بَدِيعاً لِوَصْفِ شَمَائِلِ النَّبِيِّ ﷺ.

تُقَدَّمُ «الحِلْيَةُ» هُنَا كَقَالِبٍ فَنِّيٍّ عَرِيقٍ، أَرْسَى قَوَاعِدَهُ جَهَابِذَةُ الخَطِّ "العربي" العُثْمَانِيُّونَ، وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ الشَّهِيرُ «حَافِظ عُثْمَان» فِي القَرْنِ السَّابِعِ عَشَرَ، مِمَّنْ أَوْجَدُوا فِي "الحِلْيَةِ" عَمَلاً يَجْمَعُ بَيْنَ سِحْرِ الكَلِمَةِ وَبَهَاءِ الرَّسْمِ فِي لَوْحَةٍ تَشْكِيلِيَّةٍ؛ تَتَعَدَّدُ صُوَرُهَا وَتَتَبَايَنُ تَفَاصِيلُ تَصْمِيمِ أَجْزَائِهَا تَوَافُقاً مَعَ البِنْيَةِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي تَرْبِطُ المَتْنَ بِالزَّخْرَفَةِ بِإِيقَاعٍ مُتَّزِنٍ؛ لِتَظَلَّ الوِعَاءَ الجَمَالِيَّ الَّذِي نَقَلَ إِلَيْنَا وَصْفَ المُصْطَفَى ﷺ كَمَا رآهُ وَجَسَّدَهُ بِكَلِمَاتِهِ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ).

يَتكوَّنُ مِعمارُ «الحِلْيَةِ الشريفةِ» - كَمَا أَرْسَى قَوَاعِدَهَا الخَطَّاطُ «حَافِظ عُثْمَان»- مِنْ خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ رَئِيسِيَّةٍ؛ تَتَرَبَّعُ فِيهَا البَسْمَلَةُ تَقْلِيدِيّاً فِي «الرَّأْسِ» أَوْ المُسْتَطِيلِ العَلَوِيِّ، لِيَلِيَهَا شَكْلٌ دَائِرِيٌّ أَوْ هِلَالٌ يَرْمُزُ لِبُزُوغِ النُّورِ المَحَمَّدِيِّ، يُدْعَى «السُّرَّةَ»؛ وَهِيَ تِكلكَ الدائرةُ المَهيبةُ الَّتِي تَحْتَضِنُ مَتْنَ الوَصْفِ النَّبَوِيِّ، وَهُوَ النَّصُّ الَّذِي صَاغَهُ الإِمَامُ عَلِيٌّ بِبَلَاغَةٍ نَادِرَةٍ؛ فَيَسْتَهِلُّ الكَلَامَ قَائِلًا: «لَمْ يَكُنْ ﷺ بِالطَّوِيلِ المُمَّطِطِ، وَلَا بِالقَصِيرِ المُتَرَدِّدِ، كَانَ رَبْعَةً مِنَ القَوْمِ»؛ إِذْ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ النَّعْتِ الظَّاهِرِيِّ، بَلْ يُعِيدُ تَرْتِيبَ السِّمَاتِ فِي نَسَقٍ دَلَالِيٍّ يَكْشِفُ عَنْ تَوَازُنٍ دَقِيقٍ بَيْنَ القُوَّةِ وَالجَمَالِ، بَيْنَ البِنْيَةِ المَادِّيَّةِ وَالبُعْدِ النُّورَانِيِّ، فَيَغْدُو الجَسَدُ المَوْصُوفُ كِيَاناً تَتَجَلَّى فِيهِ مَعَانِي الرِّسَالَةِ قَبْلَ مَلَامِحِ الصُّورَةِ؛ لِيَتْبَعَ ذَلِكَ آيَةٌ مِنَ الذِّكْرِ الحَكِيمِ تَتَوَسَّطُ اللَّوْحَةَ، ثُمَّ «التَّذْيِيلُ» أَوْ المُسْتَطِيلُ السُّفْلِيُّ الَّذِي يَسْتَكْمِلُ بَقِيَّةَ الوَصْفِ وَيُخْتَتَمُ بِتَوْقِيعِ الخَطَّاطِ، فِيمَا تُوَزَّعُ أَسْمَاءُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي الدَّوَائِرِ الأَرْبَعِ المُحِيطَةِ بِالمَرْكَزِ.

تكتملُ معالمُ هيبةِ سيّدِنا محمّدٍ ﷺ في «ظاهرِ المَتْنِ» بصِفةِ القامةِ والبنيانِ؛ فقد كان ﷺ: «ضَخْمَ الرَّأْسِ، جَلِيلَ المَشَاشِ وَالكَتَدِ، عَظِيمَ الكَرَادِيسِ، شَثْنَ الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ». وبَيْنَ السُّطورِ، وفي بَلاغةِ البَيانِ العَربيِّ، نَستشفُّ لُطْفَهُ وقُرْبَهُ مِنَ القلوبِ؛ فبينما يبعثُ جلالُهُ على الهيبةِ، تَفيضُ الأُلفةُ والمَحَبَّةُ والطُّمأنينةُ في النُّفوسِ.

هذا الوصفَ البليغَ لا يُحيلُ إلى القوّةِ البدنيّةِ بمعناها العضليِّ المجرَّدِ، بل إلى اكتمالِ البنيةِ وتناسقِها؛ فـ «ضخامةُ الرأسِ» تَعكسُ رَجاحةَ العقلِ وعظيمَ القَدْرِ، و«جلالُ المَشاشِ والكتدِ»(رؤوسِ العظامِ ومَجمعِ المَنكبينِ) مَعَ «عِظَمِ الكَراديسِ» (المفاصلِ الكبيرةِ) تمنحُ الجسدَ ثباتاً واتساعاً يملأُ المَدى مَهابةً. ولكنَّ «شَثَانةَ الكفَّينِ والقدمينِ» —التي تُوحي بضخامةِ الأناملِ وقوةِ الأطرافِ— لا تَعني الغِلظةَ المنفّرةَ، بل هي مَظهرُ البأسِ الذي يَتآلفُ مع رِقَّةِ المَلمسِ وطِيبِ المَعشرِ. إذ يتشكَّلُ من هذه التفاصيلِ بناءٌ جسديٌّ مهيبٌ يجمعُ بين الصلابةِ والجمالِ، ويُجسِّدُ في آنٍ واحدٍ القوّةَ والرِّقّةَ، وكأنَّ جَسدَهُ الشريفَ ﷺ وِعاءٌ لرسالةٍ تجمَعُ بين سَطوةِ الحقِّ ورَحمةِ الخَلْقِ.

ثمَّ ترتقي ملامحُ الجمالِ لتستقرَّ في الوجهِ الأنورِ؛ فقد كان ﷺ «أبيضَ مُشرَبًا»، بياضاً صافياً يَتشرَّبُ حُمرةً تفيضُ بالحياةِ، فلا هو باللونِ الشاحبِ الباهتِ، ولا هو باللونِ الصِّرفِ المجرّد، بل كان كأنَّ الشَّمسَ تجري في مَحاسنِ وَجهِهِ إشراقاً وتلألؤاً. ولم يكن وجهُهُ بالطويلِ المُمططِ، بل كان «أَسيلَ الخَدَّينِ»، تَميلُ قَسَماتُهُ إلى استدارةٍ بوقارٍ مَهيبٍ، وصَفَها الواصفونَ بأنَّها استدارةُ «القمرِ ليلةَ البدرِ»؛ ليسَ لمجرّدِ الشكلِ الماديِّ، بل لما يفيضُ بهِ من سكونٍ وضياءٍ بصرِيٍّ يَملأُ العينَ جلالاً. نَّ هذا الوصفَ، بتراكمِ مفرداتِهِ الدقيقةِ، لا يرسمُ صورةً تشكيليّةً جامدةً، بل يُنشئُ أيقونةً لغويّةً حيّةً؛ فالقارئُ لا يرى الملامحَ بقدرِ ما يستشعرُ أثرَها. وهنا تتجلّى عبقريّةُ النصِّ: إنَّهُ لا يُقدِّمُ ملامحَ منفصلةً، بل يُشيِّدُ حضورًا كاملًا، تُسهمُ فيه الحركةُ والبنيةُ والإيقاعُ اللغويُّ في تشكيلِ صورةٍ يتداخلُ فيها الجسديُّ بالروحيِّ. إنَّ الخطَّ في هذه اللوحاتِ ليس مجردَ وسيلةِ تدوينٍ، بل هو «عمارةٌ تشكيليةٌ» تتشكلُ من تفاصيلَ بصريةٍ تفيضُ بالنورِ. وتمتدُّ هذه العمارةُ لترسمَ لنا ملامحَ الوجهِ الشريفِ؛ حيثُ نجدُ وصفاً لـ «بياضِ وجهِهِ» الذي لم يكن بياضاً شاحباً (أمهقَ)، بل كان بياضاً مُشرباً بحمرةٍ خفيفةٍ تمنحهُ حيويةً وضياءً يتلألأُ كالقمرِ ليلةَ البدرِ.

وتكتملُ هذهِ العمارةُ البصريةُ بوصفِ «عَيْنَيْهِ الأَدْعَجَيْنِ»؛ في سوادٍ عميقٍ وسعةٍ بليغةٍ، تَحفُّهما «أَهْدَبُ الأَشْفَارِ» (طولُ الرموشِ) التي تضفي على النظرةِ عُمقاً وهيبةً وكثافةً تمنحُ الرنوَّ سِحراً يجمعُ بين هيبةِ السَّطوةِ وسكينةِ الحياءِ. كما يصفُ الإمامُ عليٌّ «سهولةَ الخدينِ» وصفاءَ البشرةِ التي كانت إذا سُرَّ استنارَ حتى كأنه قطعةُ قمرٍ، مع «سعةِ الجبينِ» التي تعكسُ إشراقَ الفكرِ وهيبةَ النبوةِ. إنَّ هذا الإسهابَ البليغَ في الوصفِ يجعلُ من الحليةِ عمليةَ «تجسيدٍ منزَّهٍ» لهذا الصفاءِ، محولاً اللوحةَ إلى مِرآةٍ تعكسُ ضياءَ الوجهِ الشريفِ؛ فليسَ الجمالُ هنا مَظهراً ماديّاً يمكنُ حصرُه، بل هو بَهاءٌ يَقذفُ اللهُ سِرَّهُ في قُلوبِ الرَّائين؛ فمَن رآهُ بَديهةً هابَهُ لِعِظَمِ وَقارِهِ، ومَن خالطَهُ مَعرفةً أَحبَّهُ لِلطفِ مَعشَرِهِ وطيبِ خُلُقِه.جينِ»؛ ويُتوَّجُ هذا البهاءُ بشعرٍ يجمعُ بين الليونةِ والتماسكِ؛ فلم يكن «بالجعدِ القططِ» (الملتوي بشدة) ولا «بالسَّبْطِ» (المسترسل تماماً)، بل كان «جَعْدًا رَجِلًا» (فيه تكسُّرٌ يسيرٌ وجميل)؛ ينسدلُ بوقارٍ ليلامسَ أنصافَ أذنيهِ أو يبلغَ مَنكبيه. كما يصفُ الإمامُ عليٌّ «سهولةَ الخدينِ» وصفاءَ البشرةِ التي كانت إذا سُرَّ استنارَ حتى كأنه قطعةُ قمرٍ، مع «سعةِ الجبينِ» التي تعكسُ إشراقَ الفكرِ وهيبةَ النبوةِ. إنَّ هذا الإسهابَ البليغَ في الوصفِ يجعلُ من الحليةِ عمليةَ «تجسيدٍ منزهٍ» لهذا الصفاءِ، محولاً اللوحةَ إلى مِرآةٍ تعكسُ ضياءَ الوجهِ الشريفِ

ثمَّ يَنحدرُ الوصفُ لِ لِيَكشفَ عن سعةِ الصَّدرِ واستوائِهِ مع البطنِ في تناسقٍ يُعزّزُ هيبةَ المَنكبينِ، حيثُ تَمتدُّ «المَسْرُبَةُ» —وهي ذاكَ الخيطُ الرقيقُ من الشَّعرِ— من الصدرِ إلى السُّرَّةِ كَرابطٍ بَصريٍّ يَزيدُ الجسدَ وقاراً. ولم تكن هذهِ الهيبةُ مَحضَ ملامحَ جسديّةٍ، بل كانَ يُتوِّجُها مَنْطِقٌ بليغٌ؛ فقد كانَ ﷺ «أَصدقَ الناسِ لَهجةً، وأَوفاهُم ذِمّةً، وأَلينَهُم عَريكةً، وأَكرمَهُم عَشيرةً». ومِمّا زادَ هذا البناءَ «التشكيليَّ» جلالاً، وجودُ «خاتمِ النُّبوةِ» عندَ كَتفِهِ الأيسرِ كشامةٍ بارزةٍ هي خَتْمُ الخالقِ على أجملِ خَلْقِهِ. إنَّ هذا المزيجَ بينَ الصَّلابةِ واللُّطفِ، وبينَ سَطوةِ الحضورِ وطِيبِ المَعشرِ، هو الذي جَعلَ النَّاعِتَ يَقِفُ عاجزاً أَمامَ مِرآةِ الحليةِ لِيَختتمَ وصْفَهُ بِقولِهِ: «لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ. 

يحيطُ بمتنِ الوصفِ الذي سطرَهُ سيدنا علي -كرم الله وجهه- منظومةٌ من الزخارفِ والرسوماتِ التي تُؤطرُ المشهدَ بقداسةٍ بصريةٍ عثمانيةٍ خالصة. فالبسملةُ في الأعلى تُصاغُ بخطِّ «الثلثِ الجليِّ» لتمنحَ اللوحةَ توازناً علوياً يفرضُ الهيبةَ. ويحيطُ بالدارةِ المركزيةِ «الهلالُ» المُذهبُ؛ وهو تشكيلٌ زخرفيٌّ ينسابُ برقةٍ لامتناهيةٍ، ليعبرَ عن أنوارِ النبوةِ التي طوقت العالمَ إحاطةَ الهلالِ بالبدرِ، في بناءٍ فنيٍّ ويفيضُ محبةً لرسولِ اللهِ ﷺ. وتتوزعُ في الزوايا الأربعِ دوائرُ جانبيةٌ تضمُّ أسماءَ الخلفاءِ الراشدينَ، محاطةً بنقوشِ التذهيبِ الدقيقةِ، حيثُ تتمازجُ أوراقُ الذهبِ مع الألوانِ الفيروزيةِ، لتجعلَ من اللوحةِ تحفةً تأسرُ الأنظار. وهكذا يتلاحمُ النصُّ والخطُّ في بناءٍ واحدٍ؛ فالوصفُ يُشيِّدُ الصورةَ في الوجدانِ، والخطُّ يُثبِّتُها في العينِ، ومن اتحادهما يتكوَّنُ الأثرُ الكاملُ للحِلْيَةِ: نصٌّ مرئيٌّ وصورةٌ مقروءةٌ في آنٍ واحدٍ، يتجلّى فيه الجمالُ الفنيُّ بوصفِهِ طريقًا إلى التجلّي الروحيِّ.

ومن حضرةِ الحرفِ والوصفِ البيانيِّ، تتداعى الأفكارُ لتأخذَنا إلى رحابِ "الخرقةِ الشريفةِ"؛ ذلك الأثرِ النبويِّ الذي يفوحُ بعبقِ الإسراءِ والمعراجِ. ففي الشارعِ الذي يحملُ اسمَ الجامعِ في حيِّ الفاتحِ، يرتفعُ بناءُ جامعِ (الخرقةِ الشريفةِ) شاهدًا على هذا الارتباطِ الروحيِّ العميقِ بين إسطنبولَ والقدسِ، وما تركتْهُ من أثرٍ في قلوبِ السلاطينِ العثمانيين قديماً، وفي الوعي التركيِّ حالياً.

 الخرقةَ – أو البُردةَ – التي أهداها النبيُّ ﷺ إلى أويسٍ القرنيِّ لم تكن مجرَّدَ رداءٍ من صوفٍ أو نسيجٍ قديمٍ، بل غدتْ شاهداً حسّيّاً على رمزيّةِ ليلةِ المعراجِ؛ تلك الليلةِ التي جعلت من القدسِ بوّابةَ الأرضِ إلى السماءِ، حيثُ امتزجَ ترابُ المسجدِ الأقصى بخُطى المصطفى ﷺ قبلَ عروجِهِ إلى سدرةِ المُنتهى.

حينَ أقفُ في حضرةِ عباءةِ الرسولِ ﷺ، تلكَ التي ارتداها في ليلةِ المعراجِ في رحابِ المسجدِ الأقصى، يتجلّى ليَ الوصلُ الإلهيُّ في أبهى صورهِ؛ فإذا كانَ الإسراءُ قد ربطَ مكةَ بالقدسِ، فإنَّ وجودَ هذهِ البُردةِ في إسطنبولَ اليومَ هو استمرارٌ لروحِ ذلكَ الوصلِ الخالدِ. 

إنَّ الوقوفَ أمامَ نسيجٍ لامسَ جسدَ المصطفى ﷺ وهو يؤمُّ الأنبياءَ في مِحراِبنا، يجعلُ من المكانِ مِعراجاً للروحِ، ويؤكدُ أنَّ "الحضرةَ النبويةَ" لا تحدُّها الجغرافيا، بل تسكنُ القلوبَ وتفيضُ بالمحبةِ والبركاتِ.

أما قصةُ انتقالِ هذه الأمانةِ، فهي رحلةُ صمودٍ وإيمانٍ؛ فقد تناقلَ أحفادُ الصحابيِّ الزاهدِ أويسٍ القرنيِّ الصندوقَ الذي يحوي الخرقةَ، وارتحلوا بهِ من اليمنِ في رحلةٍ شاقةٍ عبر الفيافي والقفارِ، ليصلوا بهِ إلى الأناضولِ، محافظينَ بذلكَ على هذهِ الأمانةِ النبويةِ وربطِها بتاريخِهم الروحيِّ وأرضِ النبوةِ في مكةَ والمدينةِ والقدسِ. وظلَّ الأثرُ طيَّ الكتمانِ والحفظِ لدى العائلةِ، حتى ذاعَ صيتُ بركتِه، فاستدعاهُمُ السلطانُ عبدُ المجيدِ الأول عام 1851م إلى الآستانةِ، ليكونَ الأثرُ تحتَ رعايةِ الخلافةِ. وتقديرًا لهذهِ الأمانةِ وأصحابِها، لم يكتفِ السلطانُ باستضافتِهم، بل بَنى لهم قصراً خاصاً ليكونَ مسكناً لآلِ القرنيِّ، وشيّدَ بجوارِهِ «جامعَ الخرقةِ الشريفةِ» بأسلوبٍ معماريٍّ فريدٍ، ليصبحَ الجامعُ والقصرُ مزارًا روحيًا يربطُ إسطنبولَ بجذورِ النبوةِ في مكةَ والمدينةِ والقدسِ.

بقيت الخِرْقَةُ محفوظةً في غرفةٍ خاصةٍ بالجامع، خلفَ زجاجٍ محكمٍ يمنعُ الهواء؛ حرصًا على حمايتها مِن التلف، مثلها مثل باقي المخلفات النبوية، فلا يُكْشَفُ عنها إلا في شهر رمضان، حين يتوافدُ الجميعُ لزيارتها والتبركِ بها، ويجتمعُ المؤمنون في موكبٍ روحانيٍّ يعيدُ إحياءَ صلةِ الأمة بالرسول ﷺ.

ومِن منطور علم الحضارات تكشفُ الخِرْقَةُ عن أسرارٍ تتجاوزُ الرمزيةَ الدينية؛ فقد أثبتتِ الفحوصُ المختبريةُ والمجهريةُ قِدَمَ مادتها التي تعودُ بالفعل إلى القرن السابع الميلادي، وتتجلّى عظمةُ الصنعةِ في كونها نُسِجَتْ من الحريرِ الصينيِّ المُوَشَّى بغزلٍ رفيعٍ يدلُّ على مهارةٍ يدويةٍ فائقة، حيث تتمازجُ خيوطُ الحريرِ في زخرفةٍ وتوشيةٍ بصريةٍ تعكسُ ثراءَ العصر وجلالَ صاحبِ الرداء.

 إنَّ وجودَ مثلِ هذا القماشِ الثمينِ في مكة آنذاك يُعدُّ دليلاً دامغًا على مركزيةِ مكة في الطرقِ التجارية العالمية، إذ كانت ملتقى القوافلِ ومستودعًا لأفخرِ بضائعِ الشرقِ والغرب، مما يفسّرُ وصولَ هذا الحريرِ النادرِ إلى يدِ النبي ﷺ."

وفِي الخِتَامِ، لَا تُعَدُّ "الخِرْقَةُ الشَّرِيفَةُ" وَالحِلْيَةُ المُصَاحِبَةُ لَهَا مُجَرَّدَ آثَارٍ مَادِّيَّةٍ مَحْفُوظَةٍ، بَلْ هِيَ رَمْزٌ حَيٌّ يَجْمَعُ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالجَمَالِ وَالفَنِّ، وَيَشْهَدُ عَلَى ارْتِبَاطِ الأُمَّةِ العَمِيقِ بِمَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَالقُدْسِ، وَعَلَى مَحَبَّةِ المُسْلِمِينَ لِرَسُولِهِمْ ﷺ؛ فَبَيْنَ خُطُوطِ الحَرِيرِ وَالزَّخَارِفِ وَزَخْرَفَةِ الخَطِّ العَرَبِيِّ تَتَجَلَّى مَهَارَةُ الإِنْسَانِ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ، بَيْنَمَا يَظَلُّ أَثَرُ الخِرْقَةِ شَاهِداً حَيّاً عَلَى لَحْظَةِ المِعْرَاجِ .

وَهَكَذَا، وَفِي تِلْكَ الوَقْفَةِ التَّأَمُّلِيَّةِ بَيْنَ سِيمْيَاءِ الحَرْفِ فِي «الحِلْيَةِ» وَجَلَالِ المَادَّةِ فِي «الخِرْقَةِ»، يَتَكَشَّفُ لَنَا أَنَّ الرِّحْلَةَ مِنْ مَآذِنِ القُدْسِ إِلَى قِبَابِ إِسْطَنْبُولَ لَيْسَتْ ارْتِحَالاً فِي الجُغْرَافِيَا، بَلْ إِبْحَارٌ فِي سَبْرِ أَغْوَارِ الهُوِيَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ عَبْرَ التَّارِيخِ. إِنَّ أَسْرَارَ القَدَاسَةِ الكَامِنَةِ فِي صَخْرَةِ المِعْرَاجِ بِالقُدْسِ، هِيَ ذَاتُهَا الَّتِي اسْتَعَادَتْ مَادِّيَّتَهَا فِي رِدَاءِ الحَرِيرِ الصِّينِيِّ المُوَشَّى بِإِسْطَنْبُولَ؛ لِيَتَّصِلَ الغَيْبُ بِالشَّهَادَةِ فِي وَحْدَةِ حَالٍ صُوفِيَّةٍ نَادِرَةٍ. وَمِنْ حَضْرَةِ الحَرْفِ وَالوَصْفِ البَيَانِيِّ، اسْتَطَاعَ العَقْلُ العُثْمَانِيُّ -بِعَبْقَرِيَّةِ خَطَّاطِيهِ وَوَرَعِ سَلَاطِينِهِ- أَنْ يَجْعَلَ مِنْ إِسْطَنْبُولَ مُسْتَوْدَعاً لِهَذَا النُّورِ المُمْتَدِّ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى؛ فَغَدَتِ العَاصِمَةُ الإِدَارِيَّةُ بِمَسَاجِدِهَا وَصَوَامِعِهَا حَارِسَةً عَلَى "أَيْقُونَةِ الوَصْفِ" وَ"أَمَانَةِ الأَثَرِ".

نخرجُ من حضرةِ الخِرْقَةِ وجامعِها ونحن ندركُ أنَّ الرباطَ الذي يجمعُ القدسَ والآستانةَ ليس مجردَ حقبةٍ تاريخيةٍ عابرة، بل هو ميثاقٌ ثابتٌ من العشقِ النبويِّ، جعلَ من كلِّ نقشٍ في الأقصى صدىً لخطوطِ الحليةِ الشريفةِ. إنها علاقةُ «المبدأِ بالمنتهى»؛ حيث تبقى القدسُ الجوهرَ والمنطلق، وإسطنبولُ هي المرآةُ التي تجلّى فيها بهاءُ ذلك النور، ليرسما معًا لوحةً حضاريةً خالدة، لا تُقرأُ بحروفِ التاريخِ وحدها، بل بنبضِ القلوبِ المستقرةِ في يقينِ العقيدة. 

في إسطنبولَ، أعيشُ صدى الرباطِ النبويِّ والثقافيِّ، حيث يمتزجُ الباطنُ بالظاهر، وتتداخلُ الرؤى وتتلاقى الأبعادُ الروحيةُ والماديةُ وتتكشفُ العقيدةُ خلفَ المشهدِ الحضاري. هناك، في أسواقِ إسطنبولَ وقبابِها ومآذنِها، أرى القدسَ كما تراها عينُ القلب؛ أستنطقُ ألوانَ الحريرِ ونقوشَ الخطِّ العربيِّ، وأدركُ أنَّ كلَّ أثرٍ يحملُ حكايةً، كلَّ نقشٍ يحملُ نبضًا، وكلَّ رداءٍ يحكي صلةَ الأمةِ برسولِها ﷺ.