• 11 تشرين أول 2026
  • من اسطنبول

 

 اسطنبول - أخبار البلد - في هذا الفصل السادس من حكايات اسطنبول التي يكتبها الصحفي والكاتب ” جودت مناع“ والتي هي جزء من كتابه القادم الذي يحمل عنوان  ” ظلال على البوسفور“ يتحدث ارث عالمي عثماني في مكان واحد شاهد على التاريخ  في عاصمة العالم  اسطنبول، تلك المدينة الملهمة والتي يعشقها كل من زارها، 

 واليكم الحكاية: 

لم تكن بيوك أدا مجرد جزيرةٍ أخرى في بحر مرمرة، بل بدت لي كأنها صفحةٌ انفلتت من كتاب الزمن واستقرت فوق الماء. منذ اللحظة التي اقتربت فيها العبّارة من رصيفها الصغير، شعرت أنني أغادر إسطنبول الصاخبة إلى عالمٍ آخر يسير على إيقاعٍ أبطأ، عالمٍ لا يقيس الوقت بعقارب الساعات، بل بخفقات البحر وظلال الأشجار العتيقة.

اسمها بالتركية "بيوك أدا"، أي "الجزيرة الكبرى"، وهي أكبر جزر الأمراء المنتثرة جنوب إسطنبول كحبات زمرد ألقتها يدٌ خفية في بحر مرمرة. وعلى الرغم من قربها من المدينة، فإنها تبدو بعيدةً عنها بقدر ما يبتعد الحلم عن الواقع.

كل شيء فيها يوحي بالسكينة. البيوت الخشبية القديمة تقف خلف الأسوار البيضاء كأنها أرستقراطيات متقاعدات يراقبن البحر بصمت. والشرفات المزهرة تتدلى منها نباتات الجهنمية بألوانها القرمزية والبنفسجية، تطل على شوارع خالية من الضجيج، فيما تصعد الطرق المتعرجة نحو التلال بين غابات الصنوبر التي تعبق برائحة الراتنج والملح.

هنا لا تهيمن ضوضاء السيارات كما في إسطنبول. تسمع وقع الخطوات أكثر مما تسمع هدير المحركات، وتسمع نداء النوارس أكثر مما تسمع أصوات البشر. لذلك يشعر الزائر أن الجزيرة تحتفظ بشيء من براءة العالم الأولى، قبل أن تبتلع المدن الكبرى هدوء الإنسان.

لكن "بيوك أدا" ليست جزيرة جمالٍ طبيعي فحسب؛ إنها أيضاً جزيرة ذاكرة ومنفى. فقد مرّ بها أباطرة بيزنطيون، ونُفي إليها أمراء ورجال دين وسياسيون، حتى أصبحت عبر القرون ملاذاً للمبعدين من السلطة والهاربين من صخب العواصم. وعلى إحدى تلالها أقام الثوري الروسي ليون تروتسكي سنوات في منفاه بعد أن أبعده ستالين عن الاتحاد السوفييتي. هناك، بين البحر والغابات، كان يراقب الأفق البعيد ويكتب مذكراته، كما لو أنه يحاول أن يعثر في زرقة الماء على طريقٍ يعود به إلى وطنٍ لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة.

وأنا أتجول في طرقاتها الضيقة، لم أستطع مقاومة الشعور بأن الجزيرة تشبه الفلسطينيين بطريقةٍ ما. فهي محاطة بالماء من كل الجهات، ومع ذلك تبدو دائماً وكأنها تنتظر شيئاً يأتي من بعيد. وربما لهذا السبب شعرت بألفةٍ غامضة معها؛ كأن المنفى، مهما اختلفت أمكنته، يترك الظل نفسه على الأرواح.

عند الغروب، حين بدأت الشمس تميل نحو الغرب، تحولت مياه بحر مرمرة إلى مرآةٍ من ذهب سائل. كانت إسطنبول تلوح في الأفق كطيفٍ بعيد، بينما بدت "بيوك أدا" أكثر قرباً من الحلم منها إلى الجغرافيا. عندها أدركت أن بعض الأماكن لا تُزار فقط، بل تُعاش. و "بيوك أدا" كانت واحدةً من تلك الأماكن التي لا تغادر الذاكرة بسهولة، لأنها تترك في القلب ظلاً جميلاً، يشبه تماماً ظلال البوسفور.

رحلة إلى الجزيرة

ثمة أماكن لا تكشف عن نفسها من الوهلة الأولى. تراها مجرد بقعة على الخريطة أو محطة في برنامج سياحي، ثم تكتشف لاحقاً أنها تحمل من الحكايات ما يفوق مدناً كاملة. كانت "بيوك أدا" واحدة من تلك الأماكن التي تعلمت أن أقترب منها ببطء، كما يقترب المرء من كتاب قديم يخشى أن تتناثر صفحاته بين يديه.

في صباح صيفي صافٍ، وقفت على رصيف العبّارات في بيشكتاش أراقب المسافرين المتجهين نحو الجزر. كان البحر هادئاً في يوم صيفي على غير عادته، فيما كانت أسراب النوارس تحلق فوق الرؤوس كأنها تعرف الطريق أكثر من البحارة أنفسهم.

تحركت العبّارة ببطء، وبدأت إسطنبول تتراجع خلفنا شيئاً فشيئاً. تلاشت ضوضاء المدينة وحلت محلها أصوات الماء وضربات المحركات المنتظمة. وعلى امتداد الطريق البحري، كانت قباب المساجد ومآذنها تتوارى خلف الضباب الأبيض الخفيف، فيما كانت الجزر تقترب من ناظريّ كما لو أنها تخرج من صفحات التاريخ.

وحين اقتربت العبّارة من الميناء، ظهرت "بيوك أدا" بكامل هدوئها. صف من المباني القديمة يتبعه صف يتسلق التلال تطل على البحر، وساعة الميناء تستقبل القادمين، ومقاهٍ صغيرة تنشر كراسيها تحت ظلال الأشجار. كان المشهد أقرب إلى مدينة متوسطية صغيرة منه إلى جزيرة تقع على بعد أقل من ساعة من واحدة من أكبر مدن العالم.

نزلت من العبّارة وصديقي المكسيكي أنيبال، ومشينا ببطء على الكورنيش البحري. لم أكن أبحث عن معلم سياحي محدد، بل عن روح المكان. تلك الروح التي لا تظهر في الكتيبات الإرشادية ولا في الصور التذكارية.

في تلك اللحظة لم أكن أعلم أن خطواتي ستقودني إلى بيت رجل غيّر مسار القرن العشرين، وأن اسم ليون تروتسكي سيخرج من صفحات الكتب ليصبح جزءاً من المشهد أمامي. ولم أكن أعلم أيضاً أن الجزيرة ستدفعني إلى التفكير مجدداً في معنى المنفى، ذلك الرفيق القديم الذي رافق الفلسطينيين جيلاً بعد جيل.

ففي هذه البقعة الصغيرة من بحر مرمرة، بدا التاريخ وكأنه يعيد سرد حكايته بصيغ مختلفة. أمراء ومنفيون وثوار ومهاجرون عابرون. الجميع مروا من هنا وتركوا أثراً ما، بينما بقيت الجزيرة تراقبهم بصمتها الأزلي.

وعندما رفعت بصري نحو التلال الخضراء التي تعلو الميناء، شعرت أن "بيوك أدا" ليست مجرد جزيرة، بل أرشيفاً مفتوحاً للمنفى الإنساني ومرآة تعكس المصير ذاته الذي يتكرر بأسماء مختلفة عبر العصور.

ومن هناك بدأت الحكاية الحقيقية.

الجزيرة التي تنام على كتف التاريخ

ومع ارتفاع الشمس في السماء بدأت الجزيرة تستعيد نبضها. أصوات الدراجات الهوائية والكهربائية راحت تتسلل بين الأزقة. لفت انتباهي أن كثيراً من الدراجات التي تستأجرها السيدات تتزين بسلال أمامية تتدلى منها زهور ملونة.

توقفت أمام مكتب صغير لتأجير الدراجات وسألت صاحبه إن كان يتحدث الإنجليزية. أجابني بإشارة أوحت بأن معرفته بها محدودة. أشرت إلى إحدى الدراجات المزينة بالزهور وسألته:
ـ لماذا تحظى السيدات بهذه الزينة الجميلة بينما تُترك دراجات الرجال بلا ورد؟
ابتسم، لكنه ترك السؤال معلقاً في الهواء.
قلت مازحاً:
ـ ومع ذلك فهي زهور بلا رائحة.
ضحك طويلاً وصفق بكفه على كفي، ثم تركني أكمل طريقي بينما بقيت ابتسامته معلقة في المكان.

في "بيوك أدا" يصعب المرور أمام منزل دون الرغبة في تصويره. البيوت هنا لا تشبه البيوت، بل لوحات فنية تتجاور على جانبي الطريق. لكن الغريب أن أصحابها كانوا غائبين عن المشهد، وكأن الجزيرة بكاملها تحولت إلى متحف مفتوح.

وبعد بحث طويل رأيت رجلاً مسناً يفتح بوابة حديقة واسعة. سألته إن كان صاحب المنزل، فهز رأسه نافياً، فأدركت أنه البستاني الذي يعتني بالحديقة أكثر مما يعتني أهل البيت بالمكان نفسه.

بعد أمتار قليلة وقفت أمام بوابة عريضة تعلوها لافتة صغيرة كتب عليها «قصر الأميرة». خلف البوابة كان مبنى أنيق يختلط فيه الطراز الأوروبي المتأخر بملامح العمارة العثمانية. أخبرتني المشرفة أن القصر تحول منذ سنوات إلى فندق يستقبل الباحثين عن هدوء الجزيرة بعيداً عن صخب إسطنبول.

وفي الطريق اشتريت بوظة تركية. طلبت من البائع أن يمزج نكهتين مختلفتين داخل البسكويت. تناول أداة معدنية طويلة وبدأ يشكل البوظة بحركات مسرحية متقنة، حتى بدت كأنها وردة ملونة أكثر منها حلوى صيفية. كان العرض جزءاً من الطقس اليومي الذي لا يمل السياح من مشاهدته.

كلما توغلت في الأزقة ازداد فضولي لمعرفة من يملك هذه القصور. أخبرني أحد الباعة أن كثيراً منها يعود إلى عائلات قديمة من أصول يونانية وأرمنية ويهودية وتركية، وأن أسعارها بلغت أرقاماً يصعب تصورها. كانت تلك البيوت شاهدة على قرنين من التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها إسطنبول وجزرها.

ومن أكثر ما يلفت النظر في "بيوك أدا" غياب السيارات الخاصة تقريباً. لذلك يعتمد السكان والزوار على المشي والدراجات والعربات الكهربائية الصغيرة. ولهذا السبب تبدو الشوارع أكثر هدوءاً واتساعاً مما هي عليه في الواقع، كأن الضجيج بقي عالقاً على الضفة الأخرى من بحر مرمرة.

في طريق العودة مررت بمسجد صغير، ثم بمبنى رسمي قديم، وبمقر للهلال الأحمر التركي. كانت الحياة تتدفق ببطء تحت أشجار الصنوبر التي تملأ الجزيرة بعطرها المالح القادم من البحر.

ومع اقتراب الظهيرة امتلأت الشوارع بالسياح. أصبح التقاط صورة واحدة يحتاج إلى انتظار طويل. مجموعات سياحية تتوقف أمام القصور والكنائس والأديرة القديمة، ومرشدون يروون حكايات سكان الجزيرة عبر القرون. كانت الواجهات الملونة تتوهج تحت الشمس، فيما يواصل الزوار البحث عن الزاوية المثالية لالتقاط صورة يحتفظون بها دليلاً على أنهم مروا ذات يوم من جزيرة لا تشبه سوى نفسها.

عند مغادرتي "بيوك أدا" أدركت أن سرها لا يكمن في جمال بيوتها أو زرقة بحرها فحسب، بل في قدرتها النادرة على مقاومة الزمن. فبينما تندفع إسطنبول إلى المستقبل بكل سرعتها، تظل هذه الجزيرة معلقة بين قرنين، تنام على كتف التاريخ وتستيقظ كل صباح لتعيد سرد الحكاية ذاتها بصوت البحر.