- 3 آذار 2015
- حكايات مقدسية
في " اخبار البلد" مستمرون بنشر مقالات من دفتر المرحوم ناصر الدين النشاشيبي مقالات لم تنشر ، ومنها المقالة التالية التي يمكن القول عنها ما اشبه اليوم بالامس .....
اسمع يا ولدي !!
اعتدت كلما مررت على موقع الصحابي " ابي عبيدة" في غور الاردن ان اترك سيارتى عند الباب وادخل الى مبنى المسجد الذي يضم عددا من قادة الفتوحات الاسلامية واقرأ الفاتحة على روح اخي وصديقى الكريم الراحل احمد الشقيري..
ذلك ان ابو مازن – وهكذا كنا نناديه – كان رفيق الدرب وشريك الهموم واستاذ المعرفة على مدى العشرات من عمر السياسة الفلسطينية او عمرنا معها ..!!
وفي هذا الاسبوع ، تعمدت ان اذهب الى مسجد " ابي عبيدة " في غور الاردن لكي اقرأ الفاتحة – من جديد - على روح احمد الشقيري وللمرة العاشرة ، خصيصا بعد ان استمعت الى البيانات السياسية المهمة التى اعلنها الاخ الاستاذ محمود عباس المرشح الاقوى والمنتظر لرئاسة فلسطين، حول سياسته ومعالم خطواته في معالجة صراعنا مع اسرائيل ، او صراع العدو معنا في المستقبل .
ابادر واقول ان احمد الشقيري وهو فارس المنابر والخطب النارية ، حاول ان يبقى متمسكا بمبادئ سلمية كثيرة كان اهمها نبذ طريق العنف والاستعانة باللغة الدبلوماسية من اجل الوصول الى تسوية سلمية !
بالرغم من الطابع الثوري في روح الشقيرى وبالرغم من البيان الخطير الذي اعده بنفسه ، واعلنه باسم قيادة " الثورة الفلسطينية " لتحرير فلسطين، في الثامن من شهر كانون الاول من عام 1967 الذي يقول حرفيا " ان تحرير فلسطين ليس له الا طريق واحد وهو طريق الكفاح المسلح والحرب الشعبية التحريرية... مع مولد مجلس قيادة الثورة المسلحة تحت شعار " ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة " للرئيس جمال عبد الناصر... اقول رغم كل ذلك فقد انطلقت سهام المعارضة والتجريح لكى تطعن الشقيري في كافة جوانب عمله السياسي وتبعث اليه برسالة جاء فيها بالحرف الواحد انه – اي الشقيري- قد فشل في الوصول بالمنظمة الى المستوى المنشود.. وانه لم يتمكن من بنائها للوقوف امام العواصف ...
لذلك – هو مطالب – بان يتنحى عن رئاسة الجنة التنفيذية....
وعلى الفور صدر بيان في الرابع من يناير من عام 1968 يدعو الى دعم الكفاح المسلح وتصعيده كما تبع ذلك عقد مؤتمر عام في القاهرة يوم 20 يناير يقرر تشكيل مجلس عسكري للمنظمات مهتمه الاشراف على جميع الشؤون العسكرية تخطيطا وتنسيقا، وان الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين والتاكيد على كون الكفاح المسلح استراتيجية وليس تكتيكا ... الى اخره...!!
يعنى ماذا ..
ماذا ؟
اسمع يا ولدي !
كان الشقيري من اذكى رجالات العرب وكان الرفيق فيشنسكى – مندوب السوفيت في الامم المتحدة يقول ان الشقيري هو فشنسكى العرب- وكان يتحدثنى عن مختلف اماله والامه ، وفي تلك الفترة التى انبرت الاصوات المعارضة تطالبه بالاستقالة من المنظمة قال لى وانا في ضيافته بالشقة التى تجاور مسكنى في عمارة " ليبون " بالقاهرة ، انا بانتظار راي الرئيس جمال عبد الناصر في هذه الفضيحة .
واجبته على الفور : ان الراى الذي تبحث عنه موجود في الصفحة الاولى من جريدة "الاهرام" وهو مجرد خبر يؤكد بان بعض الاعضاء في المنظمة يطالبون بطردك من رئاسة هذه المنظمة لانك تفتقر الى " الروح العسكرية " في اقوالك واعمالك ..
فسألني : وماذا يقول الرئيس عبد الناصر في كل ذلك ؟
قلت : علينا ان ننتظر ذلك في الصفحة الاولى ك جريدة " الاهرام " التى ستصدر غدا ..
وبالفعل ..
صدرت " الاهرام " في اليوم التالى وعلى صدر صفحتها الاولى خبر بارز عن الصراع الدائر في رئاسة منظمة التحرير حول احمد الشقيري..
عندها ..
عند ذلك – فقط- ادرك احمد الشقيري وهو الذكى اللبيب ما هو مغزى ذلك الخبر وما هو مطلوب منه .
ودعاني لزيارته في مكتبه بالشقة المجاورة واعلمنى انهم يطالبونه بالاستقالة وان عبد الناصر يوافقهم على ذلك وانه – على ضوء هذا الواعق الخطير سيرفع استقالته الى الرئيس عبد الناصر بعد ساعات ..
ودفعنى الموقف كي اسأله عن سبب هذا الالحاح عليه بالاستقالة من رئاسة المنظمة فأجانبى مقهقها: لانى – في قاموسهم السياسي - لست رجلا عسكريا ولاني في قاموسهم العسكري لست بالسياسي المطلوب ..
قلت فورا : ولكن الموقف عند الرئيس ليس محصورا في شخصك او مؤهلاتك بقدر ما هو يتعلق بالقضية الفلسطينية وخدمتها وتحقيق السلام القائم على استرجاع فلسطين ..
فأجانبى على الفور: انا لم اعد في نظرهم بالشخص الصالح لكي اخوض المعارك الحربية واستعمل السلاح واحارب اسرائيل ....!!!
ثم قال بعد لحظة صمت قصيرة خلتها ساعات دعهم يبحثون عن غيري وانا غدا سارحل الى تونس
ولكن الشقيري لم يرحل الى تونس ولم يترك القاهرة الا بعد مولد اتفاقية كامب ديفيد مع السادات ولم يستسلم الى الراحة واليأس الا بعد ظهور المرض القاتل في جسده !
ويبقى السؤال بلا جواب :
هل حقا ان احمد الشقيري كان يفتقر في جهاده السياسي الى الكفاءة العسكرية؟
هل كانت زعامة فلسطين تؤمن حقا بالحل العسكري؟ وهل كان الشقيري يختار المفاوضات السلمية كبديل للكفاح المسلح من اجل فلسطين ..؟
اسمع يا ولدي !
يوم امس ، مررت على مسجد الصحابي ابي عبيده في غور الاردن قلت للساكن في قبر احمد الشقيري هناك السلام عليك يا ابا مازن ..
ثم مسحت دمعة حائرة كادت ان تسقط فوق وجهي ...
القدس 2005-12-30

