- 16 تشرين الثاني 2012
- حكايات مقدسية
لقد اكتشفت من خلال المتابعات والقراءات واللقاءات مع الاتراك على اختلاف ارائهم ومواقفهم وتوجهاتهم ان هناك علاقة روحانية مكانية وزمانية وثيقة بين الاتراك والقدس كمكان ديني مقدس بالنسبة لهم ، وهنا تذكرت ذلك الصحفي التركي الذي كان يعمل قبل سنوات على اعداد فيلم وثائقي عن القدس العثمانية واذكر اسمه وهو كريم السي ( الان هو رئيس تحريرمجلة تركش رفيو) والذي قال عن القدس والسنوات التي عاش فيها : الاتراك اسسوا دولة في القدس قبل التوجه الى الاناضول ايام السلاجقة فهم الوحيدين الذين اتخذوا القدس عاصمة لهم ويضيف شارحا علاقته بالقدس : بالنسبة لي فان القدس هي المكان الذي يندمج فيه الزمان بالمكان ، وكنت اعتقد ان التاريخ عبارة عن روايات مختلفة باختلاف المكان ولكن في القدس بدات افهم ان الزمن عبارة عن بعد اخر للمكان " قال هذا والكلام بعد سنوات اكتشفت انه كتب كتبا بهذا المعنى عن القدس !
من المعروف ان القدس ايام السلاجقة كانت اقوى مدينة جنوبي بلاد الشام ، والسلاجقة هم أصلهم فئة من الأتراك خرجوا في أواخر القرن العاشر الميلادي من سهول تركستان، اعتنقوا دين الإسلام وتحمسوا له، وأولاهم الخلفاء العباسيون حكم الولايات حتى أصبحوا اسياد دويلات مستقلة، فراحوا يحكمون صوريا باسم الخليفة العباسي وفعليًا باسمهم الخاص.
بدأ حكمهم الفعلي لبلاد العرب بدخول عظيمهم آرطغرل بك مدينة بغداد سنة 447هـ /1055م وكان في بغداد يومئذ الخليفة العباسي القائم بأمر الله فأبقاه، ولكنه قضى على من سواه في الحكم من المتنفيذين والقادة.
نافس السلاجقة الأتراك الفاطميين في بسط السيادة على بلاد الشام حتى تحققت لهم السيطرة على شمالي بلاد الشام، في حين كانت الخلافة الفاطمية تفرض سيطرتها على منطقة جنوبي بلاد الشام وهي فلسطين وأعمالها. وهكذا بدأ الصراع السياسي والتراع العسكري بين السلاجقة الأتراك والفاطميين للسيطرة على فلسطين وخاصة مدينة القدس.
بعد وفاة آرطغرل بك تولي الملك من بعده ابن أخيه ألب أرسلان للفترة (1063 ـ 1072م) وقد تمكن أحد زعماء التركمان وهو أتسز بن أوق الخوارزمي في عام 464هـ /1072م من فتح الرملة وبيت المقدس وأخذهما من الفاطميين. فجعل أتسز الخوارزمي بيت المقدس مركزا لحكمه وأبطل الدعوة للفاطميين وخطب للخليفة العباسي والسلطان السلجوقي. من بيت المقدس عمل أتسز الخوارزمي على تعبئة قواته للاستيلاء على المدن المجاورة لتوسيع النفوذ السلجوقي في جنوبي بلاد الشام، فتم له الاستيلاء على مدينة عكا 468هـ/1076م وحاصر دمشق عدة مرات حتى تم له فتحها في عهد السلطان ملكشاه في ذات العام، فباتت مدينة القدس على عهده صاحبة النفوذ الأقوى في جنوبي بلاد الشام.
كان هذا في الزمن الغابر السحيق الذي لا تعرفه الاجيال المقدسية ، وبالتحديد الجيل الجديد الذي يشعر بانه ضائع ومفصول عن ماضيه الذي لا يعرفه ومستقبله المجهول ، والسؤال : هل يذكر اهل القدس شئ من العلاقة بين الاتراك والقدس ؟! هذا السؤال طرحته في احدى امسيات رمضان الماضي بعد انتهاء صلاة التراويح واثناء جلوس مجموعة من الاصدقاء في حي باب حطة الذي تتجلى فيه معاني رمضان الروحانية والتراثية والصوفية معا ، فرد صديقنا جمال اسعيد الفنان الاصيل ابن البلدة القديمة والتي لا يغادرها ليوم واحد ولا يستطيع فهناك علاقة عضوية ونفسية بهذا المكان وقال : انني اذكر الاتراك ايام زمان كانوا يقضون شهر رمضان بالكامل في المسجد الاقصى تعبدا واعتكافا ، ولا زلت اذكر اطفال الحارة ( باب حطة) يقومون بحمل اباريق الماء ويقدمونها للاتراك الضيوف من اجل الوضوء ، وهم ويقولون لهم : توضئ يا حجي وصلى على النبي! وكان الحاج التركي يتوضئ من ماء الابريق ويعطى بعضا من النقود للاطفال الذي يحرصون على ملئ الاباريق مجددا من الابار في الحرم ..!
ويضيف اسعيد بان سكان باب حطة وحارة السعدية والاحياء القريبة من الاقصى كانوا يقومون بتوفير كل الخدمات المطلوبه للحجاج الاتراك بما في ذلك تاجير بيوتهم للاتراك الذي يصلون الى القدس من اجل تقديس حجتهم بعد معك مكة
ويضف الصديق وهو يسرح بخياله يستدعى ذكريات ولتجديه ينظر في الفراغ كانوه يرى تلك الذكريات قد تحولت الى واقع : ولا زلت اذكر كيف ان الاتراك كانت يعتكفون في منطقة توما توما والمعروفة ايضا باسطبلات سليمان وهي المنطقة الواقعة في الباب الذهبي يدخلون هناك في الصباح ولا يخرجون الا بعد صلاة العشاء ، للنوم والعودة مرة اخرى في الصباح الى المسجد طيلة شهر رمضان! اننا نتحدث عن سنوات قليلة قبل احتلال القدس عام سبعة وستين وسنة واحد او سنتين بعد احتلال القدس وبعدها توقف قدوم الاتراك كليا الى القدس لا اعرف السبب يستطرد الفنان جمال اسعيد مما ساهم في عزل القدس عن بعدها الاسلامي والعربي
بينما قال د علي قلبيو استاذ علم الاجتماع والحضارات في جامعة القدس : ان هناك علاقة وثيقة للغاية بين الاتراك والقدس ،هذه العلاقة تحمل طابعا روحانيا وثقافيا عميقا ، فهم لا زالوا مرتبطين بهذا المدينة ارتباطا متعدد الابعاد ويعتبرون القدس والمسجد الاقصى جزء من ايمانهم !
وكما قال ذلك السائح التركي المسلم "اوليا جلبي " اثناء زيارته الى المدينة المقدسة واصفا اياها قائلا: القدس بلد عظيمة ، كائنة على هضبة مرتفعة ، هوائها عليل ، وماؤها عذب ، وسكانها نضار الوجوه ، إنها مهوى أفئدة الكثيرين من الناس ، لا من حيث قدسيتها فحسب ، بل من حيث اقتصاديتها ووفرة حاصلاتها أيضاً ، ونقول للهذا الطيب ، ستبقى حكاية القدس والاتراك حكاية طويلة لا تنتهى ، حكاية حب ازلي في الايمان وهو الاصل ... انها القدووس باللغة التركية

