- 23 تموز 2013
- حكايات مقدسية
محمود الزيباوي *
على مدى قرون من الزمن، حجبت صور "الأراضي المقدسة" وجه فلسطين في كثير من الأحيان، وجعلت منها متحفاً دينياً يخلو من البشر. بحث الأدباء الرحالة القادمون من الغرب عن المواقع التي شكلت مسرحاً لأحداث التوراة والإنجيل، ثم تبعهم الرسّامون، ولحق بهم المصوّرون بعد اكتشاف الكاميرا الفوتوغرافية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غير أن قلة منهم توقفت أمام أحوال القدس وأهلها. كسر الاحتلال الإسرائيلي هذه الصورة الوردية في زمننا، وباتت المأساة الفلسطينية واقعاً يومياً لا يمكن حجبه. تضم مدينة مأدبا الأردنية مجموعة كنائس بيزنطية مزينة بألواح أرضية من الفسيفساء، أشهرها فسيفساء استثنائية تزين أرض كنيسة القديس جورج للروم الأرثوذكس. تعود هذه الفسيفساء إلى القرن السادس، وتمثل خريطة جغرافية هي بحسب أهل الاختصاص أقدم خريطة لما يُعرف بـ"الأراضي المقدسة". تصوّر أراضي فلسطين والأردن، إضافة إلى مواقع من سوريا الجنوبية ولبنان، وتحتل القدس فيها وسط التأليف، وتشكّل مركز الثقل ونقطة التقاء الخطوط. وفقاً للتقليد السائد، يظهر كل موقع من المواقع في صورة رمزية مختزلة مع كتابة باليونانية تُعرّف باسمه. من صور وصيدا وبعلبك، إلى الجليل ووادي الأردن، وصولاً إلى الشاطئ الشرقي للبحر الميت وغور الأردن. تحوي الخريطة أكثر من مئة وخمسين موقعاً، وهي اشبه بخريطة دينية تشير إلى المواقع التي يقصدها الحجاج عند زيارتهم للأراضي التي شكلت مسرحاً لأحداث أسفار الكتاب المقدس.
بين القرنين السادس والعشرين، عرفت هذه الأرض تاريخاً متقلباً خضعت فيه لسلطات متعددة، لكن صورتها في المتخيل الجماعي ظلت ثابتة. تبدّلت أحوال فلسطين بين عهد وعهد، وتغيرت معالمها وملامحها، غير أنها ظلت أرض "الديار المقدسة"، وتواصل تدفّق الحجاج إليها بلا انقطاع. جذبت هذه الديار العديد من الرسّامين المستشرقين، كما جذبت في مرحلة لاحقة المصوّرين الذين جاؤوا ليلتقطوا بعدساتهم صور هذه المواقع التاريخية، وذلك بعد ولادة آلة الكاميرا في القرن التاسع عشر. عرفت "الأراضي المقدسة" العديد من المصوّرين الذين قصدوها لنقل مواقعها التوراتية والإنجيلية، منهم الفرنسي فيليكس بونفيس الذي أسّس عام 1867 في بيروت ستوديواً صار مركزاً لنشاطه في الشرق الأوسط. توفي هذا المصور في نيسان 1885، وخلفته في العمل زوجته ليدي، "اول مصورة في الشرق الأوسط"، وابنه أدريان. وقّع فيليكس صوره حتى عام 1875، ووقّع كلٌّ من زوجته وابنه من بعده أعمالهما باسم "بونفيس"، وهكذا ارتبطت ألوف الصور باسم "دار بونفيس" خلال ثلاثة عقود من الزمن.
خرج فيليكس بونفيس من أسرة بروتستانتية، والأرجح أن هذه الأصول ساهمت في دفعه إلى "الأراضي المقدسة" لتصوير مواقعها الدينية. نقل المصور الفرنسي بعدسته ألوف الصور، وتوجّه في الدرجة الأولى إلى الجمهور الأوروبي بشكل عام، وإلى الحجاج المسيحيين منهم بشكل خاص، أما زوجته وابنه فسارا على دربه، وأكملا مشواره بعزم وهمة. افتتحت ليدي بونفيس فرعاً لستوديو بيروت في القدس وآخر في بعلبك، ثم دخلت في شراكة مع مصوّر يُدعى ابراهام غيراغوسيان عام 1909، وقد اشترى هذا المصور ستوديو "دار بونفيس" بعد تسعة اعوام، واحتفظ باسمها الأصلي، وزاول العمل فيه حتى عام 1938. غاب اسم بونفيس في تلك الحقبة، وعاد إلى الواجهة في العقود الأخيرة من خلال اصدارات خاصة بصور الشرق الأوسط، وها هو اليوم يعود من جديد في كتاب عنوانه "من الأراضي المقدسة إلى فلسطين"، عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" في طبعة أنيقة تجمع بين النص الفرنسي الأصلي وترجمته الإنكليزية، وأُطلق في "متحف محمود درويش" في رام الله في حضور مؤلفيه دانيال اوتا وسيرج ناغر. يعرف محبّو فلسطين هذين الاسمين، ويتابعون نشاطهما منذ سنوات. عشقت دانيال اوتا فلسطين منذ الستينات حيث عملت فيها كممرضة، وآمنت بقضيتها منذ تلك الحقبة، وأمضت وقتاً طويلاً في جمع شهادات الفلسطينيين والتعريف بها. من جهته، تعرّف سيرج ناغر إلى فلسطين من خلال عمله كمصوّر متخصص في "الصور الفوقية"، أو "صور الطائرات"، ودرس بعمق تجربة أرتور باتوت، المصوّر الفرنسي الذي صوّر يافا، وبيت لحم، ومدناً فلسطينية في القرن التاسع عشر. مثل دانيال اوتو، أحبّ سيرج ناغر أرض فلسطين وشعبها، وتطوّع كممرض لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان سنة 1972، ثم انتقل إلى الداخل الفلسطيني، وهو اليوم يواصل مسيرته في هذا الميدان.
بين الأمس واليوم
يجمع الكتاب بين صور بونفيس التي تعود إلى القرن التاسع عشر وصور سيرج ناغر التي التقطت في السنوات الأخيرة. تحاكي الصور الحديثة اللقطات القديمة بشكل شبه حرفي، وتعيد تصوير الموقع انطلاقاً من الزاوية نفسها التي اعتمدها بونفيس، غير أن الفرق بين المرحلتين يتجلّى بشكل خاص في الحضور الحي الذي تتميز به الصور المعاصرة. الموقع الجغرافي ثابت والإطار واحد، غير أن الصورة ليست متطابقة. يصوّر بونفيس الأراضي المقدسة، ويصوّر ناغر فلسطين، ويتحوّل المشهد "بين الأمس واليوم" عبر مجموعة من الصور تعتمد تقنية الدمج ما بين صور حديثة وأخرى قديمة، بطرق مبتكرة تختلف بين صورة وأخرى. بدأت هذه المغامرة يوم عرض أحد الفرنسيين للبيع مجموعة خاصة من صور بونفيس الأصلية تضم خمسا وخمسين صورة. عرف سيرج ناغر بهذا الأمر، ونقل الخبر إلى صديقه المهندس الفلسطيني وسيم فهيم عبد الله الذي سارع إلى اقتنائها. تتبع المصوّر ناغير خطى بونفيس، وسعى إلى "إعادة" تصوير اللقطات التي كان التقطها بونفيس انطلاقا من المكان والزاوية نفسيهما. بعدها، عمد المصوّر إلى دمج الصور القديمة والصور الحديثة في قالب واحد يعتمد تقسيم الصور جزءين متساويين، ثم خرج من هذا القالب، وابتكر قوالب أخرى تُبرز الفرق بين "الأراضي المقدسة" و"فلسطين".
في كتابهما الجديد، يتبنى دانيال اوتا وسيرج ناغر الطريقة التقليدية الخاصة بـ"ادب الرحلات"، متنقلَين من موقع إلى آخر بحسب التسلسل الجغرافي. تتلاحق الصور، ويرافقها في كل مرة تعليق أدبي يعرّف بالموقع، ويحمل هذا التعريف في كثير من الأحيان كلمات من الميراث الأدبي القديم والحديث، منها كتابات للرحّالة الفرنسيين شاتوبريان، لامارتين، فلوبير، وبيار لوتي، وأخرى لشعراء فلسطين محمود درويش، فدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي. تبدأ الرحلة في القدس، كبرى مدن فلسطين التاريخية وأشهرها. ننطلق من "باب العمود"، المعروف أيضا بـ"باب دمشق"، وهو من أجمل أبواب القدس العتيقة. أمام هذا الباب، نستعيد أبياتاً من قصيدة "إلى السيد المسيح في عيده"، فيها تقول فدوى طوقان: "القدس على درب الآلام/ تُجلد تحت صليب المحنة/ تنزف تحت يد الجلاد/ والعالم قلبٌ منغلقٌ/ دون المأساة/ هذا اللامكترث الجامد يا سيد/ انطفأت فيه عين الشمس فضلّ وتاه/ لم يرفع في المحنة شمعة/ لم يذرف حتى دمعة/ تغسل في القدس الأحزان".
من "باب العمود"، إلى "باب الأسباط"، الشهير بـ"باب الأسود". بُني هذا الباب أيام سليمان القانوني، وهو المنفذ الوحيد المفتوح اليوم في الحائط الشرقي من البلدة القديمة، في المنطقة المجاورة للحائط الشرقي من الحرم الشريف، وهو في المسيحية "باب اسطفان"، واسطفان أول الشهداء، وقبره بحسب الروايات مجاور لهذا الباب. تكتمل سلسلة الأبواب المقدسية مع "باب داوود" المطل على القدس الغربية، و"باب التوبة والرحمة" الذي يعرفه الفرنجة باسم "الباب الذهبي"، و"باب الخليل" الذي يشكل المدخل الغربي الرئيسي للبلدة القديمة، وفي جنوبه يرتفع البرج الذي شيّده سليمان القانوني، وهو عند العرب "قلعة القدس"، وعند اليهود "برج داوود". في وسط القدس، يقع المسجد الأقصى، "أولى القبلتين"، ويحدّ حرمه القدسي غرباً "حائط البراق"، وهو الحائط الذي قام النبي محمد بربط البراق إليه ليلة الإسراء والمعراج بحسب التقليد الإسلامي، والأثر الأخير الباقي من هيكل سليمان بحسب التقليد اليهودي. في قلب الأقصى، تقع "قبة الصخرة" التي شيّدها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فوق صخرة المعراج، وتجاورها قبب أخرى، اشهرها "قبة السلسلة" التي أمر عبد الملك ببنائها قبل "قبة الصخرة"، و"قبة الميزان" الواقعة جنوب صحن الصخرة المشرفة، وهي على شكل منبر فوقه قبة، وتُعرف باسم "منبر برهان الدين"، نسبة إلى قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة الذي شيّدها في العهد المملوكي. في الساحات الغربية للمسجد الأقصى، يبرز "سبيل قايتباي"، الذي بناه الملك أشرف أبو النصر إينال، وجدّده الملك الأشرف قايتباي، وباسمه عُرف.
من القدس الإسلامية، نمضي إلى القدس المسيحية، ونتعرف إلى "درب الآلام"، التي سلكها المسيح حاملاً صليبه يوم ساقه جند الرومان للصلب، بعدما حكم عليه الوالي الروماني بالموت، وتضم بحسب التقليد الكاثوليكي أربع عشرة مرحلة، تسعاً منها خارج "كنيسة القيامة". تقودنا درب المسيح إلى خارج أسوار المدينة. نصعد إلى "جبل صهيون"، ثم نمضي إلى "حي مابيلا" الذي يضمّ أكبر مقبرة في القدس، وفي وسطها نجد "بركة مأمن الله". صادرت السلطات الإسرائيلية أرض هذه المقبرة الإسلامية، وحولت القسم الأكبر منها إلى حديقة عامة حملت اسم "حديقة الاستقلال"، وهي تحاول اليوم هدم ما تبقّى منها. نعود إلى فلسطين المسيحية، وننتقل من "كنيسة الجسمانية" في البستان الذي صلّى فيه المسيح صلاته الأخيرة قبل صلبه، ومنها نمضي إلى "كنيسة الصعود" على قمة "جبل الزيتون"، قبالة المكان الذي صعد منه المسيح إلى السماء. نخرج من القدس وجوارها لندخل إلى جنوب فلسطين. تبدأ الرحلة في "عين كرم" وتنتهي عند شواطئ البحر الميت. نمر بأطلال عمواس والعيزريه ودير النبي الياس وقبر راحيل، ثم نصل إلى بيت لحم وأسواقها، منها نمضي إلى بيت ساحور، ثم نتعرّف إلى دير مار سابا وبرك سليمان القانوني، ومنها نحلّ في أريحا، شمال البحر البيت. من جنوب فلسطين ننتقل إلى سلسلة المدن الساحلية: غزة، يافا، اللد، الرملة، قيصرية، وعكا. نصل إلى الفصل الأخير المخصص لشمال فلسطين، ونعبر نابلس، جنين، صفورية، الناصرة وطبرية.
في كل موقع، تحضر فلسطين في مقابل "الأراضي المقدسة"، ويبرز هذا التجانس بشكل حاد في صورة "حاجز قلنديا" الذي يفصل بين رام الله والقدس ويمزّق أوصال فلسطين، وهو الحاجز الذي يصفه الفلسطينيون بـ"بوابة الإذلال". تبدو "الديار المقدسة" سجناً كبيراً ينتظر من يحرر أسره من هذا الإذلال الطويل. يعلو صوت محمود درويش وهو يستعيد ذكرى عكا في "يوميات الحزن العادي": "هذا هو طعم عكا الأول. دائماً أبحث فيها عن شيء لا أجده. فتشتُ فيها عن أمي، فكانت قد عادت إلى القرية. وبعد سنين فتشتُ فيها عن حبيبتي، فكانت تُزفّ إلى رجل آخر. وفتشتُ فيها عن عمل، فكان الفقر يلاحقني. وفتشتُ فيها عن شعبي، فوجدتُ الزنزانة والضابط الوقح. كانت آخر حدود العالم، وأولى المحاولات والخيبة. وكان سورها يتآكل في الزمن".
· عن النهار البيروتيه

