- 8 شباط 2025
- حكايات مقدسية
بقلم : الباحث الشيخ مازن اهرام
جلس الشيخ إبراهيم متكأً ظهره بباب المسجد القبلي للمسجد الأقصى المبارك ينتظر صلاة الظهر في جو يسوده الخشوع والهدوء وفي يده اليمنى سُبحة يذكر الله بها حركتين حركة لسان مصحوبة بحركة بنان تداعب خرزات منظومة في خيط وكل خرزة تتبعها خرزة صوتها كخفقات دقات القلب تلهج بذكر الله، ألقيت عليه التحية وجلست بجواره أرقب هذا المشهد المفعم بروحانية تلك الخرزات تتراقص بين يده أجواء تختلج القلب فإن لدى روحك أسرار جميلة تريد البوحَ بها ممزوجة بذكر اللسان والجنان والتعرض لنفحات الله تنزل على القلب الذي صلح وصفا
أنت يا ابن الربيع ألزمتني النسـ ك وعودتنيه والخير عادة
من خشوع أُزينه بنحول واصفرار مثل اصفرار الجرادة
المسابيح في ذراعيَ والمصـ حف في لبتي مكان القلادة
ولقد طال ما لقيت ولكن أدركتني على يديك السعادة.
قصة وحكاية السُبْحة
السُبْحة أنيس الذاكرين وصلاة العاشقين
تذوب القلوب في طمأنينة خفيَّة، وتموج الروح في بحور من اللذات مصدرُها حبّات صغيرة يربطها خيطٌ، تتآلف في عقد فريد، ينساب النور الرباني الخفي منه، ويتسلل إلى القلب ليسيطر على الروح، فتسبح في عالم روحاني نابع من تلك ((السبحة)) حبّات مضيئة لا يتلمّس نورها إلا من وقع في عشقها، تلازمه في تفاصيل يومه، ومع مرور الأيام وتعاقب الأعوام تصبح خير أنيس له، تحفظ أسراره وتعطيه من بركاتها وأنوارها، كلما ذكر الله عليها اطمأن قلبُه، ونسي هموم الدنيا، وتبدّل حاله وسلك طريقا ينقله من حياة مادية جامدة إلى عالم من النور، تسمو فيه الروح عن الدنيا وما فيها. كلما تحسس حبّاتها أراحت قلبه وأزاحت همومه، يذهب بها حيث يشاء، فتضيء طريقه بأنوارها وتعلّق قلبه بحبها،
كلمة (السبحة) بضم السين وإسكان الباء مشتقة من: ((التسبيح)) وهو قول: (سبحان الله) أو هو تفعيل من السَّبْح، الذي هو التحرك والتقلب، والمجيء والذهاب، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل:7]
فقد جاء في معجم "لسان العرب أن التسبيح - لغة - بمعنى: الصلاة والذِّكر، تقول: قضيتُ سُبْحتي؛ أي: قضيتُ صلاتي وذكري، والسُّبْحة: الدُّعاء وصلاة التطوُّع والنافلة يُقال: فرغ فلان من سُبحته؛
أي: من صلاته النافلة، وسُميت الصلاة تسبيحًا؛ لأن التسبيحَ تعظيم الله، وتنزيهه من كلِّ سوءٍ، وسبَّح الرجل: قال: سبحان الله ولَمَّا تقدَّم الإسلام وجاء عصر الرواية، استعمل الناس بعده السبحة وجمعها سُبَح بمعنى تلك الأداة المنظومة من خرزات يعدُّ المسبِّح بها مرَّات تسبيحه، فأدرجتْ هذه الكلمة بهذا المعنى في الألفاظ المولدة، التي ليستْ في لغة العرب، بل استعملها الناس قديمًا بعد عصر الرواية.
مثّلت المسبحة (أو السُّبحة) لكثير من الثقافات عرضاً مظهرياً للتدين والتصوف والذكر والتسبيح والتهليل، والتهدئة النفسية، وأحياناً للوقار والوجاهة فالمسبحة إرث فني بديع متغلغل في التراث العربي والإنساني، قديمة وحديثه، كما أن للمسبحة وظائف ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأرقام والعد والحساب. وهي زينة شخصية، ووجاهة اجتماعية، وأبهة وثروة مادية، وتحفة فنية، ومفخرة منزلية، وهدية رمزية للأهل والأصدقاء، وعامل مساعد على تهدئة الانفعالات النفسية، وتسلي الأصابع
التي تريد أن تبقي ساكنة بحباتها، ولها سوقها الرائجة، العامرة، الرابحة، وخاماتها متفاوتة الخصائص. ندرة ونفاسة، وقيمة، وجمالاً، وإبهاراً. صنعتها بديعة، وحرفتها تستلزم مهارة ودربة وذائقة في آن معاً، كأنها حلي ذهبية، بل هي كذلك، فبعضها جاوز سعره ثمن قلادات ذهبية، بل حل محلها في الخزائن والمقتنيات النفيسة.
تذكر كتب التاريخ، أن السبحة كأداة كانت معروفة منذ عصور ما قبل التاريخ، وكانت عبارة عن خرزات أو قطع من الزجاج أو العاج أو الأحجار الكريمة المنظومة في سلك، وقد اتخذها الإنسان تعويذه أو للزينة، ارتبطت السبحة أو المسبحة في مجتمعاتنا الإسلامية بمواسم دينية معينة، حيث تقدم كهدايا خاصة في مواسم الحج أو العمرة، وفي شهر رمضان يتم استخدامها على نطاق واسع كرمزية للتدين المرتبطة بهذا الشهر. ولعل من أقدم مَن ذكر السبحة كأداة للتسبيح أبا إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي، المتوفَّى 350 هـ، قال: "والسبحة:
التي يُسَبَّح بها ونقل عنه هذا كثيرون، ولكن ابن فارس - اللغوي المعروف، والمتوفَّى بعد الفارابي بنحو نصف قرن (سنة 395 هـ) - لَم يذكر هذا المعنى في معجمه "مجمل اللغة ولا يخرج ما جاء في معجمي: "القاموس المحيط و"تاج العروس في عمومه عمَّا ورد في "لسان العرب"وذكر في "تاج العروس" أن السَّبَّاحة والمسبحة هي الإصبع التي تلي الإبهام، وهي السبَّابة أيضًا، نقول: أدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، وقد سُميتْ بذلك؛ لأنها يشار بها عند التسبيح.
وقد وردتْ لفظة مسَبِّح بمعنى: مُصلٍّ في القرآن الكريم: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143] أي: منَ المصلين، أو الذاكرين الله كثيرًا بالتسبيح.وجاءت السُّبْحة بمعنى الصلاة النافلة في الحديث النبوي: ((واجعلوا صلاتكم معهم سبحة))؛ أي: النافلة.
السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله، رضي الله عنها، كانت أول من نظم السبحة في شكلها المعتاد المكون من 33 خرزة،
أنّ السبحة إنّما هي وسيلةٌ لتحقيق العدد الذي تعلَّق به الفضلُ الوارد في السنة، وليست مقصودةً لذاتها، ولا هي عبادةٌ مستقلّةٌ، والوسائل المستعملة لتحقيق المقصود الشرعي غيرُ ممنوعة، كمكبّر الصوت، ووضع خطوط في الصفوف، واستعمال الصّنابير بدل الأحواض في المساجد للوضوء، وتسخير وسائل الاتصال والتواصل في الدعوة إلى الله.
اتخذت السبحة في الإسلام شكلاً معروفًا، يتكوَّن من تسعٍ وتسعين حبَّة، بعدد أسماء الله الحسنى التي ذُكِرت في القرآن الكريم وتُنظم هذه الحبَّات في خيطٍ أو سلكٍ معدني، يفصل بينها - في ثلاثة أقسام متساوية - حبتان مستعرضتان أكبر حجمًا من الحبات الأخرى، علاوة على حبة أكبر من الجميع تتخذ يدًا لها، وهناك السبحة الثلث المكوَّنة من ثلاث وثلاثين حبة، والألفية ذات الألف.
وقد روي عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكثر من حديث يتعلَّق بالتسبيح والدعاء، جمعها وجمع الآثار المروية عنه جلالُ الدين السيوطي (المتوفَّى 911 هـ) في رسالة أسماها “المنحة في السبحة ولا شكَّ في أن بعض هذه الأحاديث، وُصِفت عند رجال مصطلح الحديث وذوي الدراية بعلم "الجرح والتعديل"، بضعف السند، أو غرابة المتْن ومن الثابت الذي لا سبيل لرده أن الرسول حث المسلمين على ذِكْر الله والتسبيح له، وأنه شُوهد وهو يسبح ويدعو الله بعقد أصابع يده وسيلة تتخذ لعدِّ الأدعية والتسبيح وأُثِر عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسبحون بالحصى أو النوى، منهم سعد ابن أبي وقاص ولعل من أشهر مَن ذكر منهم في هذا السبيل أبا الدرداء الذي اقتنى في كيسٍ له عددًا من نوى البلح يسبح به، ويدعو ربه، ثم يعيده في الكيس عندما ينتهي منه، كما روي أن أبا هريرة كان له خيط فيه ألفا عقدة، فكان لا ينام حتى يسبِّح به
وذكر من التابعين الحسن البصري الذي قال عندما عُوتِب بالسبحة: أحب أن أذكرَ الله بقلبي ولساني ويدي، وقد رُمِي استخدامه السبحة بالوضع ومهما يكُن من أمر فإن استخدام بعض الصحابة والتابعين للحصى أو النوى، أو الخيوط المعقودة جعل السبحة فيما بعدُ أداة مقبولة، ومهَّد بصورةٍ تدريجية إلى ظهورها بالهيئة المألوفة لدينا، دون أن يكون المسلمون بالضرورة قد أخذوها من المسيحيين الشرقيين المحاذين لبلادهم، والذين احتكوا بهم بعد الفتوح، أو في حروب أخرى كالحروب الصليبية، على نحو ما يذكر بعض الباحثين.
وقد بلغ التعلُّق بالسبحة مداه، حين سماها بعضُهم آلة الذكر، وبعضهم حبل الوصل، وبعضهم رابطة القلوب، ودعاها جلال الدين السيوطي بالآلة المباركة الزاهرة ونرى السبحة في أيامنا هذه في أعناق الدراويش، كما حملها كثير من الشباب في بعض الأقطار، للتباهي والتسلية ولعب الأصابع بها، أو لتفريغ شحنات الغضب عند انتقال أصابعه من حبة إلى حبة، دون أن ينطق بكلمة واحدة من ألفاظ التسبيح والدعاء.
البعض اعتبر السُبْحة أنها مقبحة ومذبحة وملوحة وبدعة خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الأصح القصد منها كيفية استعمالها!!!

