• 20 كانون أول 2013
  • حكايات مقدسية

 

  منذ سنوات تكون توجه لدى الكثير من المثقفين الفلسطينين والعرب اعتمادا على  مفاهيم  ومناهج اجنبية تثقفوا عليها، باعتبار الفترة العثمانية فترة احتلال اجنبي  ، كأي احتلال  !! هذا التوجه تبناه أيضا من يطلقون على انفسهم " القوميون العرب " والذين ساهموا بشكل كبير بتعميق هذه الصورة السلبية عن الفترة العثمانية لدى العامة ولدى الاجيال الشابة ، تمشيا مع ما تركه المؤرخون الانجليز والفرنسيين  والذين لم يكتبوا التاريخ بواقعه بل وفق ما يعتقدون انه الواقع ، مما نجم عنه تاريخ عربي مشوه مختلق  ،  وفي الاوانه الاخيرة بدات حالة  من التململ في اوساط المثقفين والمؤرخين الجدد في محاولة لإعادة دراسة الفترة  العثمانية بصورة اكثر واقعية ومنطقية

 من هذا المنطلق فاننا نعرض في هذه الزاوية حكاية  السلطان سليمان الاول وما قدمه للقدس ، على امل ان نفتح عقولنا وان نعيد كتابة التاريخ بصورة مختلفة رأفت بالأجيال القادمة ...!

 واليكم الحكاية ..

 لقد ظلت القدس عَرَبِيَّة حتى إبان العهد العثماني الذي استمر منذ سنة 923هـ - 1517م إلى انهيار الدولة العثمانية نهائياً في بدايات القرن العشرين. فقد كانت خاضعة للحكم المملوكي. ولما أنهى السلطان سليم الأول حكم المماليك في مصر سنة 923هـ - 1517م دخلت القدس بدورها تحت إدارة العثمانيين. وما أن استقرت الأمور للسلطان سليم في كل من سوريا ومصر ومعهما الحرمين الشريفين والقدس الشريف حتى أصدر فرماناته وأوامره بألا تُبْنَى كنائس أو معابد جديدة في المدن والقَصَبات والقرى التابعة لهذه المناطق، بل يُحَافظ على القائم منها فعلاً، وتُمْنَح الرعاية والصيانة اللازمة لتأمين قيامها بالمهام المنوطة بها. وكان يُسمح بهدم القديم القائم منها وإعادة البناء في نفس المكان وبنفس الطراز المعماري المستخدم. وقد تمثل في ذلك بما فَعلَه سيدنا عمر الفاروق بن الخطاب في السنة الخامسة عشرة الهجرية حيث اعترف بكل الحقوق المَرْعِيَّة لكل الرعايا غير المسلمين بتعهد مكتوب. وما كان من السلطان العثماني إلاَّ أن فعل نفس الشيء حيث أصدر فرماناً عقب ضم القدس يَحْفَظ لكل الرعايا من المسيحيين واليهود حقوقهم الدينية، وأَمَّن لهم بكل مذاهبهم وطوائفهم حق ممارسة الشعائر بدون أية عوائق. وقد حدد في هذا الفرمان الذي سَطَّره قاضي القدس بخطه كل حقوقهم وطُرُق حماية هذه الحقوق ومنع أي تجاوز عليها. وهذا الفرمان موجود في "خزينة أوراق" البطريركية الأرمنية في القدس الشريف. وقد قام سركيز قاراقو الأرمني بنسخه عن الأصل الموجود في مكتبة البطريركية الأرمنية في القدس. وفيما يلي نص الترجمة عن النص التركي حيث تعذر الحصول على نصِّه العربي:

 

فرمان القدس الشريف
"فليعمل بموجب النيشان الهمايوني... إن النيشان الشريف، عالي الشأن للسلطان السامي، حامل الطغراء الخاص بخاقان العالم، وبالعون الرباني والمن السبحاني، فالحكم بما يلي:

 

بعون الله تعالى ورسوله قد جئنا إلى القدس الشريف، وفُتح بابها في يوم 25 من شهر صفر الخير، وقد قَدِم الراهب المسمى سركيز الذي هو بطريرك الطائفة الأرمنية وفي مَعِيَّتِه سائر الرهبان والرعايا والبرايا. وقد سألنا العطايا وتمنى الإنعامات، وأن تظل تحت تصرفهم ورعايتهم كما هو سابق وسائد لبطارقة طائفة الأرمن الذين تولوا الضبط والإشراف من القديم لما هو تحت عُهْدَتهم من الكنائس والأَدْيِرَة وأماكن الزيارة وكذا الكنائس الأخرى الواقعة في الداخل والضواحي وكذا المعابد ومنذ العهد العمري رضي الله عنه. وكذا معاهدة حضرة السلطان المرحوم الملك صلاح الدين والأوامر الشريفة المعطاة تجعل الضبط والتصرف على كنيسة القيامة، ومغارة بيت لحم، وبابها الواقع في الجهة الشمالية، والكنائس الكبرى، وماريعقوب ودير الزيتون، وحبس المسيح ونابلس بما فيهما من كنائس تخص سائر الأمم كالحبش والقبط والسريان للبطريرك الأرمني القائم والقاطن في كنائس ماريعقوب.

وينص النيشان الهمايوني على عدم تدخل أي فرد من الملل الأخرى، وقد مَنَحْتُ هذا النيشان الهمايوني مقرونا بالسعادة وأَمرت بما هو آت يعمل بموجبه: أن تكون السيطرة والتصرف في الكنائس الكبرى المذكورة، والكنائس الواقعة في ضواحي وداخل البطريركية الأرمنية الكائنة في ماريعقوب، وكذا المعابد وسائر أماكن الزيارة والأديرة التي تتبع طوائف أخرى كالحبش والقبط والسريان. فلهم ممارسة مراسمهم الدينية فيها، وضبطها ورعايتها بأنفسهم. ولا يحق لأي مَنْ كان أن يتدخل في تنصيب أو تعيين أو عزل من يقومون بالشؤون الدينية والإشراف على الرهبان والقساوسة، والميتروبوليد، والبيسكوبوس وسائر الأمور الدينية متروكة لهم ممثلة في البطريركية الأرمنية وما يتبعها من كنائس ومعابد وأديرة وسائر أماكن الزيارة عندهم، ولا يحق لأي فرد من غيرهم التدخل في أمورهم.
ويحق لسائر الأمم أن يدخلوا إلى كنيسة القيامة والتربة الواقعة وسطها، وإلى مقبرة السيدة العذراء الأم مريم الواقعة في ضواحي القدس الشريف، وإلى المغارة التي ولد فيها السيد المسيح عليه السلام في بيت لحم، وحفظ مفتاح بابها الشمالي، والشمعدانان الموجودان في داخل كنيسة القيامة والقناديل، وكذا القناديل الموجودة في داخل المقبرة وعلى بابها، والشموع التي توقد، والبخور. والحفاظ على المراسم والعبادات التي تتم داخل كنيسة القيامة وفقاً للعنعنات والمعتقدات حتى ظهور نار الشمع المقدَّس.
فيحق لجميع الأمم الدخول والدوران حولها، وزيارة الباب، ورؤية الذهب والأحجار الغالية على نافذتيها، ورؤية وزيارة المعبد الكائن بالداخل، وزيارة كل آبار الماء ومزارات ماريوحنا الكائنة في فناء كنيسة القيامة، وزيارة حبس المسيح الواقع بالقرب من مار يعقوب في الضواحي، وزيارة غرف يعقوب في الضواحي، وزيارة الغرف والمضيفات الواقعة بالقرب من مغارة بيت لحم وأضرحتها.
كما يحق للبطريركية المذكورة لطائفة الأرمن الإشراف ورعاية كافة الحدائق والبساتين ومزارع الزيتون، وبالجملة جميع الكنائس والمعابد والأديرة والمزارات التابعة لهم، وكل الأملاك والأوقاف الخاصة بهم، وكل توابعهم وما يتبعهم. ولا يتم التعرض لأي شخص من الطائفة الأرمنية قادماً لزيارة الكنيسة أو بئر المياه المسمى زمزم، ولا يتعرض أي أحد لمزارعهم أو معابدهم أو مزاراتهم ولا يمنعهم عن ذلك أي أحد.
ويعمل وفقاً لهذا النيشان السلطاني من بعد اليوم على الوجهة المشروحة، ولا يُسمح لأي شخص من ملة أخرى التدخل في شأنهم. وعلى أولادي الأماجد أو وزرائي الأعاظم ومشايخي الكرام والقضاة والقادة وأمراء الإمارات وقادة السناجق وأمير الأمراء وضباط الانضباط والأمن ورجال بيت المال والقسَّام ومديري البلدية والزعماء وأرباب التيمار والمتصرفين وسائر حرس بابي وغيرهم، والخلاصة على الجميع كائناً من كان ألا يتعرض لأي فرد منهم كائناً من كان ومهما كانت الأسباب، ولا يتم التبديل أو التغيير في أي مما ذكر. وإذا ما قام أحد ما بالتدخل أو التعرض أو التبديل أو التغيير فإنه يُعَد عند الله من زمرة المجرمين والعصاة.
وليعلموا أن أوامري ونيشاني الحامل لطغرائي أنا فاتح العالم ستكون مصدَّقة، وليعمل بفحوى ما جاء بها، وليكن هذا علامة شريفة معتمدة. كتب في سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة."

 

 

 

السلطان واعمار القدس

 

لقد كان البرنامج المنتظم لإعادة تفعيل مدينة القدس علي يد السلطان العثماني سليمان الأول القانوني بمثابة قاعدة جديدة لمزيد من خطوات التطوير لتصبح المدينة مركزا حضريا. وفي هذا السياق تفيدنا إحصاءات دافعي الضرائب بأن فترة حكم السلطان شهدت نموا متزايدا جدا في عدد السكان. فبينما كان عددهم لا يتجاوز 4000 نسمة عام 932هـ/1525م ارتفع العدد إلي حوالي 12000 نسمة في عام 961هـ/1553م. إن ارتفاع عدد السكان إلي ثلاثة أضعاف ما كان عليه خلال 30 عاما يعد مؤشرا علي الجاذبية الجديدة للمدينة والتي نتجت بشكل رئيسي عن برنامج التطوير واسع النطاق الذي أمر به السلطان سليمان.
وكما قال أوليا جلبي فإن السلطان سليمان القانوني كان بالفعل مجدد المدينة. ومن بين مشاريع البناء العديدة التي شيدها السلطان خلال تطوير المدينة يمتاز عنصران رئيسيان بشكل خاص وهما ترميم القلعة وسور المدينة بهدف ضمان أمن السكان، وإعادة تفعيل تمديدات المياه بهدف تزويد المدينة بمياه عذبة بشكل متواصل. وقد مهدت السنوات العشر التي تم خلالها إنجاز ذلك البرنامج المتواصل وهي 938-947هـ/1531-1540م الطريق أمام مراحل التطوير التالية في المدينة. فقد كانت أجزاء واسعة من المنطقة السكنية داخل سور المدينة في بداية حكم السلطان، والتي استقر فيها المهاجرون الجدد خرابا وكان لا بد من تعميرها. ومع نمو عدد السكان لم تقتصر الزيادة علي نشاطات البناء فحسب، بل كان من نتائجه أيضا توسيع نطاق التجارة والصناعة، مما أدي إلي تثبيت القدس كمركز حضري مستقل.
ومن ناحية أخري فقد تم التأكيد علي المعاني الدينية من خلال إجراءات ترميم متواصلة للرموز الاسلامية في المدينة. إن أعمال التجديد التي جرت طيلة حكم السلطان في الفترة 930-972هـ/1524-1564م إضافة إلي الزخارف التي تزينت بها أهم الأماكن الدينية في المدينة، ابتداء بمقام النبي داود ثم منطقة الحرم الشريف، قد شجعت علي شد الرحال إلي القدس حيث ازداد عدد الزائرين باضطراد مع ازدياد عدد السكان. إن هذا الاهتمام المتزايد بزيارة القدس خلال حكم السلطان سليمان قد دفع إلي تخصيص مبنيين ضخمين لإيواء الزائرين وهما رباط الأمير بيرام جاويش عام 947هـ/1540م وتكية خاصكي سلطان قبل عام 959هـ/1552م. وكان هذا الأمر قلد بلغ ذروته عند تزيين قبة الصخرة بالفسيفساء من الخارج، مما أضفي علي هذا المبني المركزي المقدس مظهرا خارجيا باهرا انعكس علي المنطقة بأسرها.
ويؤكد ارتفاع أعداد الزائرين وتواصل أعمال البناء والتعمير في المدينة علي يد السلطان سليمان علي أن تلك المشاريع العمرانية الكثيرة لم تنفذها فرق جاءت من البلاط العثماني، وإنما قام بها مهندسون وبناؤون شاميون. وحتي منتصف القرن العاشر الهجري أي السادس عشر الميلادي لم يتأثر البناء في القدس علي الاطلاق بفن العمارة العثمانية المعاصرة له في تركيا. فقد خضع برنامج البناء برمته لمدرسة العمارة المملوكية الدارجة في دمشق وحلب والتي استخدمت في القرن السابق في عمارة القدس.
وفي بعض الأماكن تم اقتباس فنون العمارة المملوكية المتأخرة السائدة في العاصمة المصرية. حتي أن مبني خاصكي سلطان ذاته والذي بني قبل عام 959هـ/1552م والمنسوب إلي مهندس البلاط العثماني سنان قد خضع لتقاليد البناء الشامية والمصرية. إلا أنه وفي المرحلة الأخيرة من ترميم قبة الصخرة تم استخدام النماذج العثمانية السلطانية في تركيب الفسيفساء علي القبة. بل إن هذه الفسيفساء التي يعتقد أنه تم الفراغ من تركيبها عام 952هـ/1545م ثم تواصل تزيينها بشكل موسع حتي عام 969هـ/1561م لم يقم بها فنان تركي، حيث وقع عليها عبد الله التبريزي مما يشر إلي أصله وهو مدينة تبريز الواقعة شمال غربي إيران.
إن ارتباط مشاريع البناء التي قام بها السلطان سليمان بالخصائص المعمارية التقليدية في المدن الكبري في الدولة المملوكية التي تم ضمها قبل وقت قصير إلي الدولة العثمانية، يستشف من العبارة التي قالها أوليا جلبي وذكرناها في بداية البحث. ورغم أن أوليا جلبي يزعم أن سنان مهندس البلاط العثماني قد قام بنقل مواد البناء اللازمة من استانبول إلي القدس بتكليف من السلطان، فقد قال أن المتعهدين والمهندسين والنحاتين الذين قاموا بتنفيذ البناء والترميم قد جاءوا من القاهرة ودمشق وحلب.
إن الاعتماد علي طواقم البناء تلك يتناقض مع حقيقة أن التطوير المعماري في هذه المدن الثلاث وفي عصر السلطان سليمان بالذات قد اعتمد بشكل رئيسي علي أنماط البناء المتبعة في العاصمة العثمانية. ويشير هذا الوضع الخاص إلي برنامج تطويري مستنير، فأعمال البناء التي أمر بها السلطان لم تهدف بالدرجة الأولي إلي تحديث القدس فحسب ولكن إلي تجديدها بناء علي الخصائص التقليدية المحلية التي اتصفت بها. وقد ساهم هذا المبدأ بإضفاء مظهر عام ملتزم بفنون العمارة في العصور الوسطي، والذي تجلي بشكل خاص في سور المدينة الجديد. وهكذا فإن إعادة بناء المدينة المؤرخ بشكل بارز علي كثير من النقوش الكتابية وفي كتاب أوليا جلبي، قد جعلت من السلطان العثماني سليمان القانوني وبحق المجدد الإسلامي لهذه المدينة التي تعد مركزا دينيا عالميا

 ويقول صالح الشوره في دراسته حول القدس تؤكد المبادرة العثمانية لتشكيل متصرفية خاصة بالقدس 1874 اهتمام العثمانيين بالمدينة وإدراكهم لحجم المخاطر التي تتهددها. لكن عدداً من الباحثين يجادلون في دوافع العناية العثمانية المتأخرة بالمدينة وبفلسطين، وهل جاءت رداً على الأطماع الأوروبية واليهودية، أم رداً على الأطماع المصرية؟ وهل نجحت الدولة العثمانية في حماية فلسطين والقدس من الشرور المحدقة بهما؟

شكلت الإمتيازات الأجنبية مدخلاًً تسللت منه القوى الأوروبية للمدينة المقدسة، كما تسللت عبره المؤامرة اليهودية الصهيونية إليها. وجاء الحكم المصري  1831-1840 ليفتح الأبواب أمام التغلغل الأوروبي واليهودي في المدينة. وبعد المساندة الأوروبية للدولة العثمانية لاستعادة بلاد الشام من يد محمد على، تمادى التدخل الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بالامتيازات الأجنبية في القدس.

كان الوجود اليهودي في القدس في مطلع العهد العثماني لا يتجاوز 115 شخصاً عام 1572، لكنه راح يتعاظم، بفضل الهجرة المتواصلة، حتى وصل العدد عام 1806 نحو ألف نسمة، وارتفع إلى ثلاثة آلآف عام 1819، وتفرغت القنصلية البريطانية في القدس منذ تأسيسها 1838 لحماية الطائفة اليهودية، ودعمها. وتبنت فكرة "عودة اليهود" restoration. وأثمرت جهودها أن وصل عدد اليهود في القدس 1880 إلى حوالي سبعة عشر ألفاً. لكنه وصل عام 1912 إلى ثمانية وأربعين ألفاً.

حاولت الدولة العثمانية إعاقة هذا التدفق، لكنها كانت محاولات متعثرة. وشكل مجيء جمعية الاتحاد والترقي للحكم إزاحة لما تبقى من عقبات شكلية في وجه الاجتياح اليهودي لفلسطين والقدس.