- 13 كانون الثاني 2026
- حكايات مقدسية
بقلم : الشيخ الباحث مازن اهرام
كرائم الإبل يضرب بها المثل في الرغائب والنَّفائس فالحكمة تكمن في الاستفادة من تجارب الغير وتجنب الوقوع في نفس الأخطاء، وعدم تكرارها حتى سُئل لقمان الحكيم
ممن تعلمت الحكمة؟ فقال: من الجهلاء، كلما رأيت منهم عيباً تجنبته
وفي تراثنا كثير من العبارات البديعة ومن أجملها كلمة عبد المطلب بن هاشم جد النبي
صلى الله عليه وسلم حين قال (انا رب الإبل، وللبيت رب يحميه ) ولعله ورثها عن جده الأعلى إبراهيم عليه السلام الذي توجه لربه بالدعاء ذُكِرتْ قصة أبرهة الذي أراد هدم الكعبة وأخذه إبل قريش:
وكان عبد المطلب أوسم الناس، وأعظمهم وأجملهم، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه، وأجلسه معه إلى جانبه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان،
فقال عبد المطلب: حاجتي أن يََردَ علي الملك مائتي بعير أصابها لي
قال أبرهه: كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه!؟
فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. فقال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك. اهـ
إذا كانت الأوطان تسترخص في سبيلها المهج والنفوس فكيف يكون الأمر إذا زادت عليها قدسية المكان وإحقاقه بالبركات والخيرات من رب السماوات فهو بذا أحق أن يحفظ ويصان وأن تسطر فيه البطولات وأن تصل صرخاته وصيحاته الشيب والكهول وليس لسان ناطق يعرب عن شكاته أكثر من لسان حاله من أذى قتلة الأصفياء والأنبياء غصبوا مغناه وأهانوا منزلته، ودنسوا رحمته وحطوا من نفاسته ورياسته، ولكن أنى لهم ذلك فالمعروف قدره والأريج عطره لا تزحزحه الزعانف ولا الزواحف
ليست هذه المقولة آية ولا حديثاً نبوياً، لكنها حلّت في ثقافتنا المجتمعية وكأنها وحي منزّل، يحفظها الصغار والكبار، ويستشهد بها الخطباء والوعاظ بكل ما تحمله من معانٍ مختلفة
عبارة من الموروث العربي سارت بها الركبان عبر التاريخ، واختلفوا حولها،
ما حدث في القصة الشهيرة بين عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبرهة الحبشي يوضح عظمة الكلمة حينما تقال في موضعها، وعظمة الحكمة حينما تفرض نفسها في وقتها المناسب، فلم يرد عبد المطلب إتلاف قوته الاقتصادية، وهي الإبل وقوته العسكرية وهم أتباعه في مواجهه خاسرة، ولعله قال لنفسه حتى إذا تم هدم البيت سأعيد بناءه على قواعد إبراهيم عليه السلام بما أملك من مال ورجال، ولكن هاتف في داخله كان يقول إن الله جل جلاله سيمنع رحيله، وأنه سينزل أمر عظيم إيمانًا منه بقدسية المكان، وبعظمة رب المكان
تُعرّف حُمر النعم بأنها الإبل الحمراء، وهي أكرم الإبل وأعلاها منزلة، وتعد أفضل أموال العرب وأعزّها عليهم والعرب إذا أرادت أن تعبّر عن قيمة الأمر الغالي الثمين عندها فإنها تقول عنه: "أفضل من حُمر النعم"، فهي تضرب المثل بأعزّ وأغلى ما تملك تمثل "حمر النعم" أقصى ما يملكه الإنسان من ثروة ومتاع، ولذلك استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث كرمز لأغلى ما يمتلكه المرء أجود الإبل وأكرَمها كرائم الإبل، أي أرفعها وأجودها وأقواها وأجلدها، وتُعتبر كناية عن خير الدنيا كله
فليست القدس ببعيدة عن المكان والزمان وما يدور من تقسيمان متوازيان وحال الأمة
لقد اسمعتَ لو ناديتَ حيا ولكن لا حياةَ لمن تنادي
ولو نارا نفختَ بها أضاءت ولكن أنت تنفُخُ في رمادِ
هذه المعاني الثقيلة؛ الشعوب المقهورة التي تعيش حالة من اليأس والإحباط ربما لا تجد أمامها إلا انتظار القدر ونزول المعجزات. إن ظاهرة التعامل السلبي مع الأحداث التي تهز كيان هذه الأمة وتزلزل أرضها من تحتها بات ظاهرة عامة، وهي ظاهرة مقترنة بمستوى عالٍ من الحرص على المصالح الشخصية يصل إلى درجة الجشع والطمع، فهناك الأمور موكوله إلى القدر، وهنا {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسانِ إِلَّا ما سَعَى}، هكذا قال عبد المطلب: «إنما أسألك إبلي؛ فأنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه»!
أصحاب ثقافة (للبيت رب يحميه) فهؤلاء كُثر في هذه الأمة التي أصبحت غثاءً كغثاء السيل بفعل هذه الشائعات التي أسكنتهم وأخملتهم فلم تعد لهم شوكة ولا يخشاهم عدوهم
في عصر يعجّ بالوحشية وتهيمن على عقول الناس فيه الأوثان والاصنام وفي مجتمع تسوده الرذيلة وتعشعش فيه الاباطيل والخمور والفجور وغزو القوي للضعيف، كان نفر من الناس يعبدون الله عز وجل ويوحّدونه وينفون عنه كل شريك ونظير رغم ذلك فهذا الموقف المفترض -المنتمي للجاهلية- هو الأكثر تعبيرا عن "عقلنا الجمعي “السائد للدين رب يحميه ، للكعبة رب يحميها ، للقرآن رب يحميه لكل ثوابتنا رب يحمي لا زال ندافع عن "الإبل"-والمتاع المادي الزائل-، ونترك ما يجب الدفاع عنه حقا ولا يزال الفيل جاثما أمام "عقلنا الجمعي" ، نفاوضه على فتات الدنيا ، ونتنازل عن جوهر وجودنا بعضنا يجب أن يستحيل طيرا أبابيل ، ترمي هذا العقل الجمعي بحجارة من سجيل وتجعله كعصف مأكول إما هذا ، أو أننا سنجد أنفسنا على دين أبرهة و قد نسجد للفيل فقانون مسالك الأمم والغزاة متشابهة في كل الأزمان، فما أقرب رسالة أبرهة مما يقال الآن.....

