• 15 تموز 2024
  • إقتصاد وحياة

 

 

في إطار التعاون بين شبكة "اخبار البلد" المقدسية والمؤسسات الأكاديمية الفلسطينية  من أجل صقل المهارات والقدرات المهنية للطلبة في المجالات المختلفة بما في ذلك الصحافة فإن، الشبكة سنقوم خلال الفترة القادمة بنشر سلسلة التقارير والمقالات لمجموعة مميزة من الطلبة في جامعة بوليتكنك فلسطين ، هذه المقالات والتقارير ذات طابع علمي واجتماعي واقتصادي. 

 وفي هذا المقام نخص بالشكر على هذه المبادرة في التعاون الصديق العزيز الدكتور "نزار الحرباوي"  وهو الإعلامي الناجح الذي عرفناه في مجالات الإعلام المختلفة المحلية والدولية وفي المجال الأكاديمي أيضا

 

بقلم : سجى صالح الشرحة

 

لا زالت رائحة الطابون تعبق في حارات وأزقة وشوارع الكثير من مدننا الفلسطينية، مرتبطة مرتبطة بمشهد صناعته ولذة طعمه وحالة الاكتفاء التي يؤمنها كل ذلك يرسم حكاية تاريخ وواقع ومستقبل.

صحيح أننا نعيش في عصر التكنولوجيا المتقدمة، وصحيح أننا نعيش في عالم الأفران الإلكترونية ولكن  لكل باحث عن اللذة الحقيقة والطعم من الماضي الجميل ولكل عشاق الحياة  فإن عليهم ان يعرفوا أن رائحة الطابون تختزل  كل الحكاية، حكاية العشق لماضٍ يشتاقون إليه وواقع يفرض نفسه عليهم ومستقبل لازال الطابون يمثل فيه رسالة إبداع وحالة صمود وقناعة مطلقة بالحياة.

قد أرى التعب في عيون أمي وهي تستيقظ كل صباح لتجهيز عجينتها الفضية، ولا أفهم حقيقة تلك البسمة التي ترتسم على شفتيها رغم التعب الواضح عليها , ولكني أرى أثر ذلك كله على مائدة الطعام عندما نصطف جميعا أجيالا مختلفة نتذوق نكهة الماضي، ونبذل جهدنا لنقطع رغيف الطابون ما بين لقمة وأخرى .

إن ما تعيشه فلسطين اليوم من حالة العزلة  والحصار التي فرضها الاحتلال ، واستهداف مواردها، وتجويع أهلها، وفرض الخناق عليها، يدفعنا للتفكير بعمق في مسألة الخيارات البديلة، والتي لا تعتمد على الوقود الأحفوري والكهرباء والغاز، بل تؤمن وبشكل مستمر ومجاني عنصراً أساسياً من عناصر البقاء والحياة والديمومة، إنّ شكل الطابون وحجمه ومساحته وسهولة عمله وقدرته على تلبية الاحتياجات بشكل مستمر وعلى مدار الساعة يعني الكثير في عالم الفرص البديلة، فهو يوفر خياراً بسيطا فعالا عند حالات الطوارئ والأزمات كالتي نحياها اليوم، مما يعمق الهوية الجمعية للمجتمع أفراد ومؤسسات .   

صحيح أن جداتنا وأمهاتنا لم يرتدن الجامعات كما نفعل نحن في أيامنا هذه، ولكن ثقافة الاستهلاك المنضبط، والتخزين العقلاني، والاعتماد على الموارد المتاحة، وحسن إدارتهن لما يمتلكون حتى ولو كان قليلاً قد أعطاهن الأفضلية في سباق الحياة وترشيد إستهلاك وصناعة الإنجاز في الآن ذاته.

إنّ قناعتي الذاتية هي أن رغيف الطابون بما يمثله من قدرة هذا الشعب على الحياة، وتمسكه بالأمل، قادر على أن يفرض معادلة جديدة تقوم على أساس أننا نتجدد كما يتجدد الطابون كل صباح، وأن قدرة الحياة عليها تسبق رغبتهم في إفنائنا. 

وأن رائحة الطابون التي تنبعث كل صباح تذكرنا أن لنا مكاناً تحت الشمس، وأننا سنصل بالثبات والعزم والمثابرة إلى لذة رغيف الطابون.

 من وجهة نظري، من لم يتذوق الطابون فإنه يفقد واحدة من جواذب الحياة، وأصبح مُنبّتاً عن تاريخه، ومنقطعاً عنه.

 فالطابون رسالة إقتصاد وعامل قوة وفلسفة خيار مستقبلي، وليس غريبا أن نربط قضية فلسطين بتاريخها وقضيتها وهويتها بزيتها وزيتونها، وتينها و طابونها.