- 3 كانون الثاني 2016
- أقلام مقدسية
بقلم : راسم محيي الدين خمايسي
بعد حمد الله وشُكرهُ، قدر الله ان نُبتَلى بوفاة ابن اخي مفلح نور الدين محيي الدين خمايسي (ابو النور) يوم الخميس الماضي والموافق 17 ايلول 2015، وفتحنا بيت العزاء في بيته في الكرم الشمالي لاستقبال المعزين حسب الاعراف والتقاليد في بلدنا الحبيب. وخلال جلوسي في بيت العزاء واستقبال المعزين وتلبية دعوة معدي واجب الطعام لأهل الفقيد والاستماع للاحاديث ومشاهدة سلوكيات الناس، وجدت ان من واجبي، وحق اهلي عَلَي ان اشاركهم ببعص الدروس والعبر التي تم تداولها في بيت العزاء، لعلها تكون مُوَجه لإجراء تغيير في بعض السلوكيات التي، حسب ما اظن انها، سوف تسهل الحياة على جميعنا، مُعَزين ومُعزون. يجدر الذكر ان بعص المقترحات المقدمة في هذا المقال القصير منقولة من تجارب بلدات وطوائف اخرى نَتَشارك معها في الايمان، الثقافة، الاعراف والتقاليد ولكنها سبقتنا في التغيير المحمود. فيما يلي اوجز عرض الدروس والعبر كمقترحات، متجنبا عرض موسع لشرح الدوافع، المسببات، الظرفيات والاسقاطات.
اولا، اود ان احمد الله على المصاب، ومع ذلك اقدم شكري وعرفاني، باسمي وباسم اهلي وروح ابو النور الطاهرة، لكل من شاركنا الحزن وقدم لنا العزاء وعمل لنا الواجب ( فطورا وغذاء). انه ليثلج الصدر تسابق اهلنا وابناء بلدنا لدعوتنا اليهم لتقديم الواجب، عملا بسنة رسولنا الكريم صلى الله علية وسلم، وتطبيقا لأعرافنا واخلاقنا الحميدة، التي اسأل الله ان يحفظها فينا مع ترشيدها وتسهيلها. اتمنى ان نبقى ونستمر في مواساة بعضنا كمجتمع انساني يشد بعضه بعضا.
ثانيا، عمل الواجب ( وجبات الاكل) لأهل الفقيد هو حق لهم علينا، عملا بسنة الرسول صلى الله علية وسلم، "اصْنَعُوالآلِجَعْفَرٍطَعَامًا فَقَدْأَتَاهُمْ مَايُشْغِلُهُمْ". وهذا يعني ان المقصود هو اهل الفقيد من الدرجة الاولي: الاباء، الابناء، الاخوة وربما الاعمام والاخوال واصدقاء قُرب. الرسالة والقصد من ذلك هي المواساة وتعميق المحبة والاحترام، وليس دعوة ابناء الحمولة الموسعة، وما يرافقه من تحويل قيمة الكرم والمواساة الى حالة من الاسراف والتبذير وحتي التحزب العظامي غير المحمود. ان تبني سلوك عمل الطعام لأهل الفقيد كما هو اليوم يصبح عبئ كبير، مقصور على الميسورين، حارم لأخوة ذوي قدرات اقتصادية محدودة على عمل الواجب، رغم انهم يرغبون، ولكن تخوفهم من تكاليف اعداد الطعام، كما هو جاري في غالب الاحيان حاليا، يجعلهم يتجنبون حتى المبادرة للدعوة ويبقي بعضهم في حسرة. لذلك نقترح على اهلنا تغيير هذا السلوك من ناحية الداعين والمدعوين، لكي نقيم القيمة الاجتماعية المحمودة، ونجعلها ميسرة لكل اسرة، ونتجنب الاهدار، والاسراف والتبذير.
ثالثا، نظرا لزيادة عدد السكان، ارتفاع الكثافة السكنية، وشح الحيز العام اصبح من الصعب ان يقام بيت العزاء في البيوت التي ربما لا يمكن الوصول اليه بسهولة. لذلك لا بد من وجود بيوت عزاء حاراتية/ أحياء اذا لم يتوفر بيت عزاء عام في البلدة. يوجد مساحات غير مستغلة في المساجد في بلدنا يمكن استغلالها لتكون بيوت عزاء. وكل ما يجب عملة هو اتخاذ القرار بهذا الشأن وتعميمه، بالموازاة تجهيز هذه المساحات الموجودة في الطابق الارضي في المساجد لتكون مناسبة، معدة ومجهزة لهذه الغاية. ان توفير فرصة تفعيل جزء من مبنى المسجد لغاية بيت عزاء لأسر لا تتوفر لها مساحات كافية في بيوتها تجنبنا اقامة بيوت عزاء في الطُرق، ومع ذلك استخدام مبنى المسجد متعدد الغايات لغاية اجتماعية اضافية. هذا لا يعني الغاء بيوت العزاء في البيوت، خاصة فيما يتعلق بالنساء اللواتي يرغبن تقديم العزاء في بيت اهل الفقيد وذوية، ولكن نرى ان الانتقال المرحلي السلس يكون بمراحل حتى اقامة بيوت عزاء في مباني عامة متعددة الغايات في بلدنا وفي بلدان عربية اخرى مشابهه لنا.
رابعا، خلال ايام العزاء التي تمتد على عدد ساعات طويله تثقل هَم اهل الفقيد وتُرهِقُهم كثيرا. لذلك نقترح تحديد ساعات تقديم العزاء، على سبيل المثال بين الساعة التاسعة صباحا وحتى الظهر فترة اولى. بين الظهر والعصر يرتاح اهل الفقيد. ويستأنف تقديم العزاء بعد العصر حتى الساعة التاسعة مساءا فترة ثانية. تنظيم ساعات العزاء هي جزء من عملية تنظيم مجتمعي وتُسهل على اهل الفقيد وتُخرجهم بشكل سلس ومريح من مصابهم.
خامسا، نلاحظ ان بعض الاخوة المُعزين من ابناء البلد وحتى ابناء الحي يأتون بسيارتهم الخاصة لبيت العزاء مما يحدث ازمة سير، وفي حالات ليست قليلة يصل الامر الى امتعاض من البعض نتيجة لسلوك غير مناسب تُفقده ربما أجر ومعنى تقديم العزاء. لذلك نُهيب بكل من يستطيع ان يأتي راجلا متجنبا القدوم بسيارته الخاصة لبيت العزاء. واذا كان لا بد، نسال كل من يأتي بسيارته ان يتجنب ايقافها في موقع يزعج الجيران او يعيق الحركة في الحيز العام.
سادسا، لقد كان سبب وفاة ابو النور رحمة الله، احد انواع مرض السرطان والذي عانى منة كثيرا. مع ايماننا المُطلق بقدر الله، ولكن علمنا بانه يجب علينا الاخذ بالأسباب كأن الاسباب كل شَئ، والتوكل على الله كأن الاسباب لا شَيئ، يجعلنا مطلوبين لطرح قضية دراسة ونقاش اسباب ارتفاع عدد المصابين بمرض السرطان في بلدنا والبلدان المجاورة. انا على علم ان هناك اسباب متعددة للمرض، مع ذلك تُطرح فرضية ان اقامة المنطقة الصناعية غرب بلدنا "تسبوريت" واقامة مصنع "فينيسيا" لإنتاج الزجاج وارتفاع نسبة التلويث هم سبب مباشر لارتفاع بعدد ونسبة ونوعية المصابين في مرض السرطان بيننا. لأجل فحص هذه الفرضية اقترح اقامه طاقم مُصَغر من أبنائنا الباحثين المتخصصين، وانا مستعد ان اكون احدهم، لكي يقوموا بالمبادرة لإجراء دراسة او الاشراف عليها لفحص هذه الفرضية، بالموازاة تطوير برنامج توعوي ونضالي لمواجهة مُسَببات هذا المرض، مع معرفة انواع المصانع المتوطنة في المنطقة الصناعية، فيما لو اتضح علميا ان هناك علاقة مباشرة بين هذه المصانع وبين مسببات لنشوء امراض السرطان. من ناحيتي سوف اتواصل مع نفر من زملائي ذوي العلاقة لكي نبادر بالتواصل مع السلطة المحلية والوزارات ذات العلاقة للتقدم في اجراء هذه الدراسة.
سابعا، صحيح ان البلدة تدار رسميا من قبل السلطة المحلية التي تقع عليها مسؤولية وواجب معالجة البنى التحتية والخدماتية. ولكن هذا لا يُعفي النخب المُتعلمة من خلق خطاب، لغة، سلوك ورأي عام يتعامل مع مشاكل وتحولات اجتماعية لا يُسعفني هذا المقال الموجز من طرحها، وكنت قد سمعتها وتم نقاشها خلال ايام العزاء. لذلك اقترح المبادرة لتشكيل "لجنة شعبية اجتماعيه" ممثلة للأطياف والمشارب المختلفة من ابناء بلدنا الاكفاء، يجمعهم انتمائهم، محبتهم وغيرتهم على اهلها وتسعي الى تعميق الصحة والامان المجتمعي فيه. هذه اللجنة يمكن ان تكون هيئه استشارية للسلطة المحلية ومؤسسات المجتمع المدني فيه.
اتمنى ان يكون ما تقدم يلاقي قبولا وتفهما من اهلي واحبائي، ورأيت من حقكم ومن واجبكم علي طرح ما تقدم من اقتراحات، لعلها تكون محفزة لتغيير سلوكنا، موازنين بين الأصالة والمعاصرة. انني اؤكد على القيم الاجتماعية والانسانية الجميلة التي نشهدها في بيت العزاء، والمقاصد التي ترافقها من سلوكيات موروثة اتبناها واسلك بموجبها. مع ذلك فان التغييرات البنيوية والوظائفية التي نمر بها بحاجة الى تغيير، ويمكن تغييرها دون أي خدش للقيم المعنوية والمقاصد الروحانية، الانسانية والاجتماعية التي نمارسها في بيوت العزاء التي تُعَبر عن حُبنا بعضنا لبعض وتكريم احيائنا وامواتنا رحمهم الله.

