- 19 آذار 2014
- أقلام مقدسية
ما الذي جعل طفلا يرعى الإبل في جبال ظفار، متعلقا بالقضية الفلسطينية؟!، وأي علاقة هذه التي ربطت طالب كان يفك الابجدية في الصف الأول بمدرسة نائية مكونة من غرفتين بقضية العرب الأولى ؟!، وأي وعي هذا الذي تكوّن لدي طفل يذهب إلى المدرسة حافي القدمين ويعود إلى مبرك إبله ليلقي على مسامع إخوته نشيد "فلسطين داري ودرب انتصاري" ويحدثهم عن قصص النضال الفلسطيني حسبما تعلمها في الكتب، وهو الذي كان لا يتحدث اللغة العربية ولا يفهم منها كلمة؟!، كان ذلك الطفل هو أنا، فقد تعلمت اللغة العربية في السن السادسة، إذ كانت لغتي الأم هي اللغة الشحرية التي تصنف ضمن اللغات العربية الجنوبية، والتي لا تزال منطوقة في ظفار (جنوب عُمان) في الإقليم الذي أطلق عليه الكتاب والجغرافيين إقليم الشحر أو شحرعُمان.
تلقينا العلم في مدرسة صوب في السنة الدراسية 1986/1987، وكان المنهج آنذاك يحتوي على العديد من الأشعار التي تتحدث عن فلسطين، أذكر منها قصيدة لا تزال خالدة في ذاكرتي وهي نشيد "فلسطين داري ودرب انتصاري" للشاعر السوري سليمان العيسى – الذي رحل عنا في التاسع من هذا الشهر- تقول هذه الكلمات التي حُفرت في ذاكرة جيل من الاطفال على امتداد الوطن العربي:
فلسطين داري ودرب انتصاري
تظل بلادي هوى في فؤادي
ولحنا ابيا على شفتيا
وجوه غريبة بأرضي السليبة
تبيع ثماري وتحتل داري
وأعرف دربي ويرجع شعبي
إلى بيت جدي إلى دفء مهدي
فلسطين داري ودرب وانتصاري
لقد شكلت هذه الكلمات بدايات الوعي لديّ عن القضية الفلسطينية، التي تعرفت عليها أكثر عبر المذياع وأنا في المرحلة الابتدائية، حيث يأتينا صوت فلسطين من إذاعة عدن – كما أظن- وكنت أكتب كلمات المقدمة من المذياع ثم ألقيها على زملائي في الصف تقول الكلمات " هنا صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية، يحييكم، ويلتقي بكم، مجددا عهده معكم على مواصلة مسيرة الثورة: بالكلمة الأمينة، المعبّرة عن الطلقة الشجاعة، وبالجماهير العربية معبّأة ومنظمة ومسلحة، وبالحرب الثورية طويلة الأمد أسلوبا، وبالكفاح المسلح وسيلة، حتى تحرير فلسطين كل فلسطين".
كان رموز الثورة الفلسطينية محل اعجابي بصرف النظر عن انتماؤهم الايديولوجي، سواء من اليسار أو من الحركات الاسلامية، مادام الهدف تحرير فلسطين، كما كنت مهتما بالمتعاطفين مع الثورة الفلسطينية ممن وصلت اليهم مطالعاتي من غير العرب مثل اليابانيين اعضاء الجيش الأحمر الياباني منفذي عملية مطار اللد، مرورا بالمناضل النيكاراغوي باتريك أرغويلو، والفنزويلي كارلوس ، اضافة إلى العديد من المناضلين العرب الذين استشهدوا من أجل فلسطين منهم الجزائري محمد بودية الذي اغتاله الموساد في فرنسا سنة 1973، اضف إلى الفدائيتان المغربيتان نادية وريتا البرادلي، وغيرهم ممن لم تتيح لي الفرصة معرفتهم، واتمنى أن يتم توثيق اسماء المناضلين الذين تعاطفوا مع القضية الفلسطينية والذين دفعوا حياتهم ثمنا لهذا التعاطف.
عرفت فيما بعد أن شابين من عُمان وتحديدا من مدينة صلالة ذهبا في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات إلى جنوب لبنان للانضمام إلى المقاومة الفلسطينية، لكنهما رجعا بعد فترة وجيزة.
كانت القضية الفلسطينية هي من حدد مسار اتجاهي الفكري ونشاطي الحقوقي لاحقا، سواء معاداة الظلم والقهر أو المطالبة بحقوق الانسان، والإيمان بتحرير كل فلسطين، وعودتها إلى أهلها وسكانها الاصليين، ومع مرور الزمن أصبحت فلسطين هي المحك الذي يتم عليه تحديد الصديق وتحييد أي فكرة لا تؤمن باسترجاع الأرض المفقودة بالقوة، وبفضل هذه البوصلة استطعت أن أحافظ على ارائي بعد المنعطفات التي مرت بها القضية الفلسطينية بعد اتفاق اوسلو المشؤوم، فقد كنت ومازلت أرى بأن المفاوضات ما هي إلا استهلاك الوقت من قبل المشروع الصهيوني للاستحواذ على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وتهويد القدس وإعلان الكيان الصهيوني دولة دينية خاصة باليهود.
لم تمح الذاكرة نشيد فلسطين داري ودرب انتصاري، المحفور في الذات وفي اليقين، بل أصبحت فلسطين وجزء من المقاومة الفلسطينية قريبة مني، فقد شاءت الأقدار أن أكمل دراساتي العليا في العلوم الثقافية في تونس، في المعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي ببئر الباي، في حمام الشط، والذي يقع بجوار مقر القيادة العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي قصفته اسرائيل في الأول من أكتوبر عام 1985، وهناك اختلط الدم الفلسطيني بالدم التونسي في صورة من التضامن العربي مع القضية الفلسطينية، كنت أمر على المكان المحتفظ بآثار الغدر الصهيوني، وفي تونس أيضا تعرفت على بعض العرب الذين رُحّلوا من بيروت مع الفصائل الفلسطينية التي غادرت لبنان بعد العام 1982.
ولسبب أو لآخر، كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المستحوذة على الاهتمام أكثر، ربما يعود إلى علاقتها بالجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي، والتي يحدثنا عنها – ونحن صغار- بعض الذين كانوا في صفوفها في جبال ظفار، أو بعض الذين حاربوها لاحقا، وربما يكون السبب الآخر احتراما ومحبة لمؤسسها وقائدها المرحوم الدكتور جورج حبش، وبعض القيادات والشخصيات في الجبهة التي قادت النضال ضد الكيان الغاصب في السبعينات والثمانينات بالسلاح أو بالفكر بالرصاصة أو بالقلم كحالة الشهيد الكاتب غسان كنفاني.
هكذا غرست نشيد فلسطين داري في نفوس الجيل الايمان بالقضية الفلسطينية، وعلمتنا أن فلسطين ليست للفلسطينيين بل لكل العرب والمسلمين والمسيحيين ولأحرار العالم، ومناصرتها والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني فرض على كل إنسان حر.
*كاتب من عُمان

