• 23 تموز 2012
  • أقلام مقدسية

الكاتب : نبيه عويضة *                          

 

 

منذ احتلال إسرائيل  لمدينة القدس في حزيران عام 1967 م ، وإسرائيل بحكوماتها المتعاقبة تطبق في الأراضي الفلسطينية عامة ، والقدس الشرقية  خاصة ،  سياسة هدفت وما تزال إلى تغيير الوضع الجغرافي والديمغرافي ، وخلق واقع سياسي جديد ،  يخدم الأهداف التي تسعى للوصول إليها خاصة في القدس الشرقية  .                                                           

 فبعد أن كان هدف  السلطات الإسرائيلية  تحقيق توازن ديمغرافي بين الفلسطينيين والإسرائيليين في القدس الشرقية ، بات واضحا الآن ، أن الهدف تحقيق أغلبية يهودية مطلقة ، تقطع الطريق على أية إمكانية للبحث في مستقبل المدينة ، وفي هذا الإطار تعمل السلطات الإسرائيلية بصورة حثيثة على زيادة نسبة السكان اليهود على حساب الوجود الفلسطيني .                           

فقد  أقدمت الحكومات الإسرائيلية ، وعلى امتداد سنوات الاحتلال منذ العام 1967 ، على  وضع القيود الكثيرة  ، والتي من شأنها تقليص البناء الفلسطيني في أضيق الحدود ، واتخاذ العديد من الأساليب ، وتطبيق العديد من السياسات  لسلب الأرض ، وفرض التهجير القسري على المواطنين الفلسطينيين ، الأمر الذي يؤدي في محصلته النهائية إلى زيادة الكثافة السكانية اليهودية ، في مقابل تناقص عدد المواطنين الفلسطينيين في القدس ، الذين يضطرون إلى   مغادرتها ، والسكن خارج حدودها ، أو خارج البلاد لعدة أسباب :           - الاستمرار في مصادرة الأراضي في القدس ، بحجج متعددة منها ،  الاستملاك بدعوى " المصلحة العامة " ، أو الخرائط الهيكلية ، وإما لشق الطرق والأنفاق .                 

-  تقليص مساحات الأراضي الصالحة للبناء الفلسطيني  ، من خلال تلوينها باللون الأخضر .

-  الاستيلاء على العديد من المنازل والعقارات المملوكة للمقدسيين   في  مختلف أحياء المدينة .         

- عدم منح الفلسطينيين تراخيص بناء بالنسبة التي يحتاجونها .                                      

-  فرض رسوم ترخيص مرتفعة جدا ، فيما لو تمت  الموافقة على  ترخيص  البناء .                    

-  فرض الضرائب الخيالية  من مختلف المسميات   ، ومثال ذلك ضريبة "  الأرنونا  " على الفلسطينيين في القدس ، مقابل عدم تقديم الخدمات قياسا بالخدمات التي تقدم للإسرائيليين .                        

-  الاستمرار في اتباع سياسة هدم المنازل العربية بحجج واهية ومنها حجة  عدم الترخيص  .                    - الأطواق السياسية والاقتصادية  المفروضة على القدس منذ آذار 1993 م ، والحواجز العسكرية التي تحول دون وصول المواطنين الفلسطينيين من باقي الأراضي الفلسطينية  إلى المدينة .                                                                                                      

 

مصادرة الأراضي والآثار المترتبة عليها :                      

 

ليس خافيا على أحد ، الأوضاع المالية القاسية التي يعاني منها المواطن المقدسي ، الأمر الذي لا يمكنه من شراء قطعة أرض للبناء ، نظرا لارتفاع أسعار الأراضي بشكل كبير ، نتيجة لأعمال المصادرة التي قامت وتقوم بها السلطات الإسرائيلية ، وعدم استطاعتهم البناء فيما لو تمكن أحدهم من شراء قطعة أرض صالحة للبناء ، أو كان يملك هكذا قطعة ،  بسبب صعوبة الحصول على رخصة بناء ، وارتفاع قيمة الرسوم الباهظة جدا  ، أو تلوينها باللون الأخضر أي " أرض غي صالحة للبناء " ،  كما أصبح المواطن المقدسي يعاني من صعوبة استئجار منزل داخل ما يسمى " حدود  البلدية " لندرتها ، أو بسبب ارتفاع بدلات الإيجار بشكل لا يتناسب مع دخله . وهنا يجد نفسه أمام خيارات أحلاها مر :                                                                  

*)  إما البناء بدون ترخيص من البلدية ، والمصير معروف ، هدم المنزل بهذه الحجة ، ويتم إما عن طريق البلدية ، أو" هدم ذاتي "  ، بحيث يقوم صاحب المنزل بهدم منزله بيده  بناء على طلب البلدية  ،  تفاديا لأجرة الهدم المرتفعة فيما لو رفض القيام بذلك ، وغالبا ما تتم عملية الهدم دون سابق إنذار ، حيث يفاجأ المواطن بالجرافات تهدم بيته ، حتى دون إعطائه فرصة كافية لإخراج الأثاث .                                                                                 

وهنا يكون أمامه أحد خيارين :                                                                            

                                        

*) البناء خارج حدود البلدية ، لسهولة الحصول على الأرض بسعر معقول ، وسهولة الحصول على رخصة البناء .                                                                                    

*) أو الاستئجار خارج حدود البلدية ،  لكون بدلات الإيجار معقولة ، وتتناسب مع دخل الفرد نوعا ما  ، مقارنة مع قيمة الإيجارات في القدس  .                                                         

 

وفي كلا الحالين يواجه مشكلة خطيرة جدا تتمثل في سحب هويته المقدسية وإلغاء مركز حياته ؟!.

 

المشاكل الناتجة عن السياسات الإسرائيلية :

 

      آثار اجتماعية :                                                                       

                                                           

من خلال بعض الدراسات التي تمت خلال المرحلة  الماضية ، يمكن القول    أن               المقدسيين ، ونظرا للزيادة السكانية الطبيعية ، فإنهم  يحتاجون الآن إلى أكثر من عشرين ألف شقة سكنية ، لسد النقص الحاصل لديهم ، وهذا يشكل صعوبة بالغة ،  خاصة في ضوء السياسات والإجراءات الإسرائيلية  ،التي سبق الإشارة إليها ، والتي دفعت بالبعض للسكن في الكهوف ، أو في مساكن يقطنها أكثر من عائلة ، والمشاكل الاجتماعية التي قد تنجم عن ذلك ،  أو الاضطرار للبناء بدون ترخيص ، علما بأن من يضطرون للبناء بدون ترخيص ،  يستطيعون بناء منازل في أراضيهم التي يملكونها فيما لو وضعت هذه الأراضي بشكل قانوني من خلال إيجاد مخططات  تنظيم  هيكلية  للمناطق العربية  . وقد  أدت عمليات هدم المنازل إلى هجرة عدد كبير من المواطنين إلى خارج حدود البلدية ، إو إلى خارج البلاد ، عدا عن تشريد   المزيد من المواطنين المقدسيين ، الأمر الذي كان  من شأنه إحداث اختلالات كبيرة في الواقع الديمغرافي .                                   

كما أن بعض المواطنين يستولون  على أراض مملوكة لمواطنين يقيمون خارج البلاد ، ويزورون الأوراق الخاصة بها ، ويبيعونها على أنها ملك لهم ، مما يثير المزيد من المشاكل ، كما يحرم أصحابها الحقيقيين من حقوقهم ، وفي حال توجه أصحابها  إلى القضاء ، فإن ما يسمى ب " حارس أملاك الغائبين " يكون لهم بالمرصاد ويضع يده على هذه الممتلكات .                    

                                      

آثار اقتصادية :                                                                              

 

هناك آثار اقتصادية مدمرة تلحق بالمواطنين الذين  تهد بيوتهم .  فالبناء في القدس يكلف مبالغ كبيرة ، بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء ، وأجرة اليد العاملة ، وارتفاع نسبة الضرائب ، مما يشكل كارثة حقيقية لمن يهدم بيته . كما أن توجيه الإنذار للمواطن بهدم منزله ، يدفعه إلى التوجه للقضاء لتفادي الهدم ، ويتكلف مبالغ ليست بالقليلة  ، ورغم ذلك ، ففي غالبية الأحيان تتم عملية الهدم                                                                         

 كيف نواجه هذه السياسة ؟!                                                                    

لا شك أن الجميع يدرك مدى الخطورة التي تعيشها القدس ، مدينة ومواطنين ، ولذلك فإن الأمر يتطلب من الجميع العمل يدا واحدة ، لحمايتها والدفاع عنها ، وهذا لن يكون إلا من خلال العمل على تثبيت المواطن المقدسي في أرضه وداخل مدينته ، وهذا يتطلب :                                  

1) إنشاء صندوق عربي ـ إسلامي ،  لتمكين المواطنين من القيام بعمل  إعادة  تنظيم لمناطقهم ، وإعداد  الخرائط الهيكلية ،بواسطة مكاتب هندسية ،   مما يبطل إحدى الحجج التي يتذرع بها الجانب الإسرائيلي لعدم منح تراخيص بناء للمقدسيين  .                                              

2) إنشاء بنك إسكان خاص بالقدس ، بإشراف جامعة الدول العربية ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ،  يتم تمويله  برأسمال لا يقل عن مليار دولار ، مع استمرار تغذيته ، لتقديم القروض للمواطن المقدسي وتمكينه من بناء أو شراء شقة سكنية ، مع وضع كافة الضمانات القانونية  لاسترداد هذه القروض من المقترض  ، لينتفع بها مواطنون آخرون .                                                     

3) تشكيل لجنة وطنية ، يشعر أعضاؤها  بالانتماء الحقيقي للقدس ، ويعملون  لصالح المواطنين ، تتكون اللجنة  من شرائح مختلفة من المجتمع المقدسي ، هدفها تحديد أسعار الأراضي ، والشقق السكنية  ، وفقا لآليات متفق عليها ، وتضع في اعتبارها مصلحة جميع الأطراف ، وفي المقدمة مصلحة المدينة المقدسة .                                                                                   

4) العمل على وقف الاستيلاء على أراضي المواطنين الذين يعيشون خارج البلاد ، من جانب   البعض ، والحيلولة دون قيامهم بأعمال تزوير المستندات  الخاصة بتلك الأراضي .                          

5) وضع آلية عمل  لمساعدة المواطن في القدس على تغطية الرسوم التي يدفعها مقابل حصوله على رخصة بناء من بلدية القدس . ووضع آلية عمل ثانية  للتخفيف عن المواطن رسوم المخالفات التي تفرض عليه والمرتفعة جدا  ، بسبب البناء بدون ترخيص ، وذلك من خلال إيجاد مشاريع تمويلية عن طريق مؤسسات غير حكومية ، محلية ، عربية ، دولية .                                                                

 

6) المتابعة القانونية والهندسية من جانب جهات يتم التعاقد معها ، وبذلك يكون من الممكن ، وفي بعض الأحيان ، تحويل قرارات الهدم إلى مخالفات بناء ، ويكتفى بالغرامات ، ويتم الحفاظ على البناء .