• 25 تموز 2012
  • أقلام مقدسية

عزام توفيق ابو السعود

كنت اعتقد دوما ان الانفصال بين غزة والضفة هو المرض الذي نعاني منه، هو الداء الذي نحتاج الى دواء له، لكن الايام أثبتت لي ان المصالحة هي الداء، هي المرض العضال الذي لم يكتشف علاجه حتى الآن، ذلك أن معالجة الاعراض الجانبية لهذا المرض هي المشكلة الكبرى، وهي التي تحول دون اتفاق الاطباء على استخدام الدواء الوحيد للمصالحة ..

كثير من الناس في الضفة، وكثير من السياسيين يرددون شعار: ارفعوا الحصار عن غزة! ولكننا لا نعرف حقيقة أنه لا يوجد حصار على غزة... فأسواق غزة عامرة بكل انواع ما يحتاجه الناس من بضائع، وبأسعار تقل بكثير عن مثيلاتها في الضفة.. معبر رفح مفتوح بشكل منظم، والناس يتنقلون من القطاع الى مصر بشكل يبدو طبيعيا.. وتجار غزة يستوردون بضائعهم المعتادة عبر ميناء أشدود كالمعتاد، باستثناء البضائع الاستراتيجية، كالحديد والاسمنت، التي تصل عبر الأنفاق، وبأسعار ارخص مما لو كان مصدرها السوق الاسرائيلية، لتر البنزين 95 يباع هناك بشيكلين فقط، ونحن ندفع اكثر من سبعة شواكل للتر الواحد، المولات والمحلات الغزاوية فيها من البضائع المستوردة كل ما تحتاجه الصبايا من أحدث الموضات العالمية، فتيات غزة لا أحد يرغمهن على لبس الحجاب، يدخنون الأرجيلة، وأنواع المعسل بربع السعر في الضفة الغربية، كل ذلك بالرغم من النظام الجمركي الذي وضعته حكومة غزة للتجارة عبر الأنفاق، حيث يقوم موظفوها بفحص البضائع الواردة، وتحصيل الرسوم الجمركية عليها. والحكومة في غزة " آخر ألِسْطَة" ... تقوم بتحصيل ضرائب، يدخل خزينتها مال جيد ، وهي غير مسئولة عن دفع رواتب معظم موظفي الدولة هناك، وهي المسئولية المرهقة لأية حكومة ، فهناك حكومة أخرى تدفعها في رام الله نيابة عنها! وتواجه الحكومة الأخرى مشكلة مالية عاتية، اساسها ضخامة أو تضخم فاتورة الرواتب! رواتب الضفة وغزة معا. بينما تتوفر فوائض واحتياطيات نقدية لدى حكومة غزة حسب العديد من المصادر!!!

في غزة، يزدهر العمران، المستثمرون يبنون العمارات والابراج،  والناس تشتري الشقق، تكلفة بناء المتر المربع " عظم" في غزة تقل عن مائة دولار، اي اقل من نصف التكلفة في الضفة،  بالرغم مما نقوله عن الحصار ومنع وصول السلع الاستراتيجية.. الحديد والاسمنت المتوفر في السوق هناك من النوع الجيد.. لا غبار عليه... بالتأكيد فهم لا يستعملون الحجر في البناء، وهذا ليس مخالفا لنوعية وطبيعة وقانونية البناء.

إذن ما هي المشكلة ؟ المشكلة هي اننا كشعب لا نتواصل مع بعضنا، فنحن في الضفة لا نستطيع الوصول الى غزة بصورة طبيعية، وهم في غزة لا يتواصلون معنا الا عبر الهاتف والانترنيت والفيديو كونفيرنس، لا تتشابك ايادينا بأياديهم، ولا تلتقي عيوننا بعيونهم ... ونفقد يوما بعد يوم، حميمية اللقاء، والاشياء المشتركة بيننا، نتباعد شيئا فشيئا... وعندما نلتقي ببعض منهم خارج البلاد مرة تلو أخرى، سنشعر بأننا نتحدث معهم كما نتحدث مع مصري او سعودي او لبناني او مغربي.. وأقولها عن نفسي مع بعض الأسى والغضاضة وتأنيب الضمير، كنت أتحدث تلفونيا مع اكثر من صديق في غزة مرة في الاسبوع على الأقل لأتعرف على اوضاعهم هناك، وأوضاع غزة بشكل عام... بعض هؤلاء الاصدقاء لم اهاتفهم منذ بضعة أشهر ! هل هذا محض صدفة؟ أم أنه جزء من المشكلة، او جزء من المرض الذي زرع فينا بفيروس او بكتيريا اسمها استمرار الانفصال؟...

قيادة حماس في الخارج ممثلة بمشعل، وقيادة فتح ممثلة بالرئيس عباس، تبدو صادقة في رغبتها انهاء الانقسام، ولذلك هما يوقعان اتفاقية تلو أخرى لفعل ذلك، ولكن هذه الاتفاقيات، ترسم بخطوطها العريضة فقط، وعندما يتم الدخول في التفاصيل وآلية التنفيذ، تشتد اعراض المرض، وندخل في جدليات حول الادوية التي سنستعملها لمعالجة القضايا التفصيلية فالشيطان يدخل في التفاصيل دوما .

أجد نفسي، كمواطن فلسطيني ، اصاب بأمراض نفسية تزيد عن أمراضي العضوية، وأنا أراهم يتخاصمون مرة أخرى، ويؤجلون تنفيذ الاتفاقيات، ويزداد استيائي يوما بعد يوم من حماس وفتح معا، ويزداد شعوري بأن هناك تباين بين قيادتي حماس الخارج والداخل، وأن قيادة الداخل تهتم بالمصالح والغنائم الذاتية والكراسي على حساب مصلحة لحمة الوطن، وأنها ترى ازدياد نفوذ التيارات الدينية في البيئة العربية المحيطة وخاصة في مصر، غنيمة أخرى تدعم تمسكها بالكرسي، دون ادراك بأن المواطن الفلسطيني ليس غبيا، وهو يدرك كليا أن تفوق النزعة الدينية على النزعة القومية لن يعود بالفائدة علينا في المدى الطويل، كما لم يعد علينا ذلك في المدى القصير، إن مواطننا الفلسطيني بشكل عام ذا نزعة دينية، لكنه ذا نزعة قومية عربية فلسطينية أكثر، وأن أي ممارسة متوازنة تجمع بين القومية والدين بالوسطية المنطقية هي ما يريده فعلا... وأن تعطيل المصالحة من خلال نقاش سفسطائي حول مواضيع جانبية، مثل تمكين لجنة الانتخابات من عملها في غزة، او تعطيل ذلك بقرار يؤجل المصالحة، ويؤجل الاحتكام الى الشعب في انتخاب مجالسه التمثيلية، سواء كانت للمجلس التشريعي، او للمجلس الوطني، او حتى للمجالس البلدية التي يجب أن تبتعد كليا عن السياسة والايدولوجيات السياسية والحزبية والحركية، ليتم اختيار الأنسب ، أيا كان لونه أو دينه او تصنيفه، حسب قدرته على خدمة غلابا هذا البلد الحزين!

لا أحب كفلسطيني أن ارى قيادة حماس في الداخل تختلف مع قيادتها في الخارج، ولا أحب كفلسطيني ، ان ارى لعبة " شد وأرخي"  بين هاتين القيادتين، فأمر المصالحة واللحمة بين غزة والضفة ليست لعبة عضلات ..

لا أحب كفلسطيني أن اصل الى بعض القناعات بأن حماس هي من يقوم بتعطيل المصالحة وتأجيلها، من مبدأ ان يجلس كل طرف على غنائمه، وأن يكتفي بذلك حتى يتبلور الموقف في مصر، فالوضع في مصر لا زال متخبطا، والرئيس المصري الجديد اتخذ قرارا فيه بعض التحدي لتثبيت بعض الغنائم للإخوان المسلمين، وهو قرار اعادة البرلمان المحلول قضائيا الى العمل، ورأينا كيف تراجع الرئيس المصري عن قراره سريعا، لا نريد لحماس ان تتخبط أيضا، فالمصالحة لا ولن تقاس بالغنائم والاحتياطيات النقدية، وأنا لا اشكك بوطنية واخلاص قيادة حماس، لكن على حماس أن تراعي رغبة المواطن العادي، وأن تنظر للأمور من خلال مرآة لا تعكس صورتها ومصالحها، بل تعكس صورة ومصالح أبناء البلد الصامتين أيضا..

ما نريده من المصالحة هو تقليل الفقر في غزة، وتقليل الفقر لا يتم بتوزيع بعض الطعام على ابواب المساجد، والمصالحة ستقلل الفقر في الضفة ايضا، المصالحة ستؤدي الى زيادة الاستثمار، وهذا يعني تشغيل القوى العاملة والحد من البطالة، الشعب لا يهتم بالايديولوجيات الدينية والقومية بقدر اهتمامه بالعيش بكرامة وحرية ورخاء .

 مرضنا هو أننا لا نعترف بأننا مرضى، فهل هناك من دواء لذلك؟؟