- 12 نيسان 2014
- أقلام مقدسية
أثار الفيلم "12 عام من العبودية" ضجيجا ونقاشاً في أوساط كثيرة في الغرب، فهو يحكي عن عبودية البيض للسود في القرن التاسع عشر وتحديداً في الجزء الجنوبي من الولايات المتحدة التي كانت تعتمد على الأيدي العاملة في زراعة وجني القطن. وحين أصبح استيراد العبيد من الخارج غير ممكن، ارتقع سعر العبد وصار حرص الأسياد على الحصول على أكبر عدد من العبيد ضرورة حياتية. من شاهد الفيلم يعرف المشاهد الأليمة والروايات القاسية التي تحيط بأحداثه. المشاعر الإنسانية بعد مشاهدته تختلط فيها الصدمة بالغضب، والحزن، لكن هناك أيضاً راحة نفسية أن هذا العهد ولى إلى دون رجعة.
لكن مهلاً، هل ولى هذا العهد فعلاً؟ هل أصبح زمن العبودية وراءنا؟ أنا أعتقد لا. السبب الرئيسي وراء هذا القول هو سيطرة اليهود على الفلسطينيين في بلدي فلسطين، وتواجد الفلسطينيين تحت ظروف شبيهة جداً بالعبودية حتى ولو كنا لا نستعمل لفظ عبودية بمعناه التاريخي. ما المشكلة أن تأخذ العبودية تعريفاً جديداً يناسب القرن الواحد والعشرين؟ لا مشكلة على الإطلاق. أعتقد أن رواية تاريخية مثل هذا الفيلم وغيره يشجعنا أن نلمس الشبه في واقعنا الحالي ونسمي الأشياء أسماء قاسية لكن لا يمنع أبداً أنه بعد جيلين أو أكثر سوف يراه أحفادنا عبودية ورجعية وتحكم غير شرعي من الإنسان بالإنسان. صحيح أن أكثر انواع التحكم تطرفاً هو أن تمتلك إنسان، مثلما تملك كنبة أو قلم رصاص، لكن يمكن للإنسان القوي أن يجرد الإنسان الضعيف من أرضه وماله وكرامته، فهذا منطق القوة الذي لا يعرف حدود المكان والزمان، وهذا يحدث فعلاً في بلدنا فلسطين.
لا اعتذار للاحتلال، لا إحلال لهمجية الاحتلال، لا سبيل لتبرئته من جرمه على الأرض والإنسان. لكن لا تنسوا أن هذا الاحتلال يتذرع أيضاً بدعوى إلهية، وكأنها راحة نفسية للضحية أن يعرف أن الرب يريد له هذا الذل. لكن حتى لو عرف الضحية واقتنع أن ظلمه عبارة عن فرض إلهي، فإن هذه القناعة لن تدوم طويلاً حيث لا يصدق عقل أن الإرادة الإلهية تريد فعلاً للإنسان أن يظلم ويتعذب، وأن الله العدل القهار يرضى بل أيضاً يحث على الظلم؟ حتى لو صدقنا ذلك فترة ما، لا يمكن أن يصدقه غيرنا سيما أولادنا الذين سرعان ما يسألون "لماذا" ولن يخنعوا إلا إذا أمعنا في إخضاعهم أو سلمنا أنهم لن يقبلوا ما قبلنا به.
في الفيلم أيضا شدني أن البطل تمسك بالحياة قدر الإمكان، حرص ألا يقتله أسياده إن حاول الهرب أو التمرد. الحرص على الحياة كان أحيانا يأخذ شكلاً غريباً من الخضوع، لكننا نفهم ذلك كله لو عرفنا أنه فعل ذلك حتى ينجو ويعود إلى أسرته يوماً ما، هذا بحد ذاته نوع من البطولة التي نثمنها للبطل في النهاية، لكن يمكن فعلا أن يحدث ذلك للإنسان في حالات الخوف الشديد على الحياة حيث يسعى للبقاء حتى لو على حساب كرامته، هذا إن كان يريد أن يرى أحباءه من جديد.
عبودية إسرائيل للفلسطينيين ليست العبودية الوحيدة في هذا العالم. لا نملك إلا أن تأخذنا أفكارنا إلى جموع كبيرة من "الخدم" الذين يعملون بأجور بسيطة لدى أسيادهم، يقومون بكل شيء داخل المنزل مقابل أجر بسيط، يستوردونهم مثل استيراد الأثاث، بل إن بعض الأثاث أكثر كلفة، هؤلاء العاملين من آسيا يعملون في دول عربية، ونحن نسمع فقط قصصاً عن تعذيب السادة للخدم أو انتقام خادمة من الأسرة عن طريق قتل أطفالهم مثلاً. الوضع هناك ليس سهلاً ايضاً، وهو يصنف كعبودية أيضاً، لا مناص ولا اعتذار على ذلك.
الوجه الآخر للعبودية التي نعرفها أيها السادة هو استعباد المرأة في مجتمعنا، ونعم أنا أصر على تسميتها بالعبودية، لأنها تشبه العبودية كثيراً ولأنه بعد جيلين أو أكثر سوف يسميها أولادنا عبودية. أم علاء كانت حاضرة في الفيلم، ليس بجسدها لكن بعينيها وألمها. أم علاء أمرأة قاربت الخمسين، أم لستة أبناء، أصغرهم في الصف الثاني. قرر زوجها تطليقها والزواج بأخرى. وجدت نفسها في الشارع، ليس فعلياً إذ انتقلت للعيش في منزل أخيها، المرأة لا تملك مصيرها، لا تملك المنزل الذي بنته يد بيد مع زوجها، لا تملك كرامتها حين يطردها دون سابق إنذار، حتى لو ارتكبت ذنبا، لا تستحق أن ينتهي عمرها وعلاقتها مع أبنائها وبيتها بلفظ الطلاق من قبل زوجها. هذا نتيجة تفسير ضيق وفردي للدين الله لا يرضى بالظلم على الأرض لا يمكن أن يشرع للرجل ما يظن الرجال أنه شرعي لهم. لا يمكن الاستمرار بظلم المرأة، حتى لو امرأة واحدة، طردها وإهانتها وكأنها شيء أو ملك لأحد قرر الاستغناء عن خدماتها. أم علاء التي قاربت الخمسين، لو كانت محظوظة كانت لا تزال اليوم في بيتها الخاص، تستمر بتربية أبناءها، عندها استقلالها واستقرارها المعنوي والمالي، تسعى مثل سائر البشر إلى سعادتها وإسعاد أبنائها، لا يمكن أن تحرم من هذا كله بلفظ واحد، بقرار من شخص واحد لا يريدها في حياته ولا يهمه أن تستمر حياتها بكرامة. أم علاء دين في رقبتنا لا يمكن أن نشرع ظلمها وألمها، لا يمكن بعد أن أدت واجبها نحو أسرتها ومجتمعها أن نقول لها أنها لا تساوي شيئاً، وتستطيع الآن الانتقال إلى منزل أخيها ضيفة عزيزة بأحسن الأحوال، لا تملك بيتاً أو شهادة أو مهنة لأننا زوجناها صغيرة "حتى نسترها"، لم يقم أي منا بدوره حسب العقد الأدبي مع أم علاء، عندما وقع بها الأذى، قلنا لها أنه من حق مالكها أن يفعل ما يشاء وأنها هي مجرد أداة تم استخدامها ثم نقلها إلى مخزن. الإيمان بالقدر يستدعي إعطاء أم علاء كرامتها فهي أمنا جميعا، إنها المرأة التي رضيت أن تحمل هم المجتمع وعبء الاحتلال، فلا يمكن أن يكون مكانها الأخير حيث يأبى عقلنا وديننا أن تكون. أم علاء تستحق العدالة الآن وليس بعد جيلين أو ثلاثة، ولا يمكن بعد أن عرفنا ما عرفناه أن نتركها رهينة الزمن، تتحول حياتها إلى فيلم تحضره الأجيال القادمة ويستهجنون الأنانية والغباء والنتكر للجميل الذي عوملت به أم علاء اليوم.ِ
* كاتبة مقدسية متخصصة بشؤون حقوق الإنسان وحقوق الطفل

