• 21 آيار 2014
  • أقلام مقدسية

في مقال الاستاذ اسامة عباس والذي نشره في صحيفة الميثاق  تحت عنوان " حوار مع الاستاذ ... حول الصراع وخطابنا الاسلامي" على خلفية محاضرة قدمتها في اطار معسكر طلابي لمؤسسة القلم الاكاديمية طالبا فتح حوار بشأن بعض المسائل التي عرضتها في المحاضرة. لجعل الحوار مثري وهادف، لا بد من وضع إطار لهذا الحوار. يمكن أن يكون الحوار مع الذات ويمكن أن يكون مع المختلف، ويمكن أن يكون مع كلاهما، أي أن الحوار مع الذات لا يبقى داخل إطار مغلق، بل ينطلق للمختلف، الذي سوف يصيغ مواقفه وسلوكه بموجب أهدافه، أو آخذا بعين الاعتبار الحوار مع الذات. وان منطلق الحوار هو وجود طرف آخر أو أطراف متعددة تشارك في هذا الحوار. وهذا يعني أن مُجري الحوار يعترف بوجود هذه الأطراف، وليس بالضرورة متفق معها أو يقرها أو يشرعنها. بل جزء من عملية الحوار هو من اجل معرفة المختلف والتفتيش عن قواسم مشتركة أو تناقضات وثنائيات يمكن تسويتها أو استمرار الخلاف أو الاختلاف بشأنها. وان بدل الحوار يكون الانطواء على الذات والانغلاق أو ربما الصدام والمواجهة. مع أن الحوار يمكن أن يكون احد أشكال الصدام مع واقع، فكر، ممارسة لطرف مختلف ويكون طريقة للتعامل معه تكون بأساليب وطرق مختلفة منها الفكرية والسلوكية. والشرط الأساسي في الحوار هو الحضور ووضع طرح ينطلق من قراءة صحيحة للمشهد والحال. وان غياب الذات والطرح الواضح المنطلق من مرجعيات فكرية أخلاقية، إنسانية ومنفعية متوافقة مع فهم الحال والسياق، ربما يساهم في خلق إشكاليات ومعيقات في تطوير عملية حوار نافعة. وأننا في عهد يشكل الحوار إحدى أساليب فض الخلاقات والصراعات والتعرف على المختلف، بدون قراءة مسبقة مبنية على فرضيات ربما تكون خاطئة.

هذه المقدمة القصيرة جاءت لوضع إطار لقراءة مكانتنا وحالنا نحن العرب الفلسطينيون في إسرائيل ودورنا في ادارة الصراع الطويل مع المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة والمسيطرة على الموارد والحيز العام وتمارس ضدنا سياسة مكونة من مصفوفة اقصاء، سيطرة، تجزئة وتبعية. واجهنا هذه السياسات وما زلنا نواجهها وننمو ونتطور في ظل ورغم هذه السياسة والممارسات محاولين تغيرها من جهة، وفي بعض الاحيان نحن نتغير ونتوافق مع جزء من سياسات تطبيقها لا يهدد وجودنا، بالموازاة نستمر نناضل ونصارع ما يهددنا ويضر بنا.  ومن خلال هذه القراءة الموضوعية لمشهدنا والسياق الذي نعيش به من المفروض أن يتشكل أساس لوضع إطار فكري وسلوكي لتوجهاتنا المستقبلية يعتمد على مرجعيات فقه الواقع مجتهدين ومطورين له. لا شك أن هذا الموضوع ذو أهمية لنا لبناء ذاتنا واستعدادنا للمستقبل لاستمرار تطورنا في وطننا.

 يخطئ من يظن أن الواقع الجيوسياسي  الذي نشأ بعد النكبة وقيام دولة إسرائيل عام 1948 وتحولنا من أغلبية عددية كانت تسعى إلى الاستقلال وبناء دولة وطنية عربية كما حدث لدول عربية مجاورة، إلى أقلية بعد أن غُلبنا في الحرب، وخلال هذه الحرب تم تهجير واقتلاع حوالي 850 ألف عربي فلسطيني من 500 قرية ومدينة. وتحولنا إلى مواطنين في وطننا وبلادنا في دولة إسرائيل التي أقيمت كجزء من المشروع الصهيوني الذي انطلق من مفاهيم دينية يهودية وصاغ خطاب ورواية لإعادة تشكيل الهوية الجماعية العبرية على اعتبارات قومية. ومازال هذا المشروع يترنح بين القومي والديني، مستخدما الديني لخدمة الوطني\القومي. لا شك أننا نعيش حالة صدام بين مشروعين: واحد اسلامي عربي فلسطيني يربط بين الديني، القومي والوطني  وهو ما ننتمي الية، وآخر صهيوني يهودي يشمل بعض صفات الاستعمار يسعى للسيطرة على الوطن مستخدما النظام الديموقراطي كأساس لإدارة عملية استلام السلطة. هذا الصراع له مركبات عديدة متأثرة وتؤثر على مركبات القوة، والتي مع مزيد الأسف كنا وما زلنا فيها الطرف الضعيف. في واقع الصدام والصراع وسياسات التمييز والإقصاء نشأنا في وطننا بمواطنة مشروطة ناقصة. والآن نحن نعيش في واقع به كثير من الازدواجيات والتناقضات ويمكن أن أوجزه بأننا نعاني من حالات مرضية كثيرة وهي بحاجة إلى معالجة. هذه المعالجة لا يمكن أن تكون سهلة ولا تنطبق عليها أساليب معالجة تقليدية منطلقة من مفاهيم وسلوكيات ماضوية نشأت وتطورت خارج سياقنا الموضوعي. لذلك لا بد من قراءة جدية لهذا الواقع المحلي، الإقليمي والعالمي. هذه القراءة تكون أساس لوضع تصور ومشروع سياسي اجتماعي اقتصادي يخفف من التناقضات والثنائيات التي نعيشها مستخدما المساحة الممكنة في النظام الديموقراطي لنيل بعض حقوقنا وتنمية ذاتنا وبيئتنا. وان إحدى أسس هذه القراءة هي التفريق بين العوامل الذاتية أي المتعلقة بنا والتي يمكن أن نغيرها بذاتنا وتلك المتعلقة بالآخر إن كانت تلك المفروضة أو تلك التي تحقق أهدافه. لا شك أن بين هذه العوامل توجد جدلية، وان الفصل بينها بشكل كامل هو أمر صعب ولكن إذا اجتهدنا نستطيع الفصل من اجل المعالجة. وان منطلقنا لبناء أي مشروع جيو سياسي اجتماعي من المفروض أن يعتمد على مقومات رئيسة؛ ويمكن أن أوجزها بالحضور الواعي الذي يعتمد مرجعيات أخلاقية إنسانية ترفض الظلم وتسعى إلى تحقيق العدل تأخذ بعين الاعتبار الاختلاف وتسعى إلى تحقيق الخيرية. هذه المقومات الأخلاقية القيمية هي أساس لمنع بناء مشروع سياسي اقتصادي على كثبان من رمل متحرك، منغلق، يعزز خطاب ماضوي غير حاضر بيئته، وهو خطاب خارج النص والسياق مبني على قراءة مثالية رغوبيه متجاهلة للواقع، ولا يمكن انجازها مما تؤدي إلى إحباط. وان المشروع السياسي الاجتماعي الاقتصادي الذي يبنى على أسس نفي وإقصاء وانغلاق، وقراءة غير واعية للواقع والمقومات المستقبلية مصيره الفشل. هذا لا يعني الخضوع للواقع او منحة شرعية، بل مواجهته ومقاومته بشكل يحول دون خلق اضرار لا يمكن او من الصعب اصلاحها. لذلك فان المشروع الذي يؤدي إلى الخروج من الأزمات والتناقضات يكون مبني على أسس الحضور الفاعل والمشاركة الواعية بمفهوم أن المشاركة تسعى الى بناء الذات وتطورها وخلق  واستثمار الفرص الممكنة من اجل تغيير الواقع، منفتحة على المختلف  المحلي والعالمي. هذه المشاركة لا تعني شرعنه إقرار الظلم والاعتداء بل دفعه. وان استمرار إلقاء اللوم على الآخر ووصفة ورصد خططه وبرامجه دون محاسبة الذات، ليس بهدف جلدها بل بهدف تقويمها وتعزيزها، لا يسعفنا في بناء مشروع فكري وطني ينطلق من قيم ومفاهيم اخلاقية انسانية تنموية. وان واجبنا الخروج من حالة بها كسل فكري وخلق حوار جاد واعي متحدي يفتح فرص التطور والمشاركة وليس الإقصاء الذاتي. وان المشاركة تعني بتطوير أدوات لا تلغي الذات، بل تبنيها، وتتمكن من طرح افكار خارج المألوف وتستطيع وضع مفاهيم وسلوكيات خارج حدود السياق التقليدي الماضوي الموروث من حالات الضعف؛ بل يمكن الاستفادة من موروثنا في حالات القوة، مع ذلك تقع علينا مسؤولية تطوير أدوات تتوافق مع حاضرنا لبناء مستقبلنا الذي ينطلق من حفظ وجودنا في وطننا، يؤمن سيادة مفاهيم أخلاقية إنسانية وعدالة مجتمعية تمكن وتوفر الأمن المجتمعي والصحة المجتمعية العامة. هذا المشروع يكون ناقصا إذا استمر بالحوار مع الذات بل لا بد من الخروج للحوار من المختلف، وبذلك نساهم في الخروج من حالة نستمر بها متقوقعين في خطاب الاحتجاج إلى حالة نطور بها خطاب وسلوك البناء، لنشارك في بناء ذاتنا ونفرض حضورنا لخيرنا وصالحنا. في سبيل ذلك هناك حاجة للتفريق بين المركب الديني، القومي والوطني في ادارة الصراع، وفهم واعي لمقومات الصراع والاطراف المشاركة وهي مهمة جسيمة بها تحدي كبير لنا لاستعادة حضورنا الفاعل المبني على فِكر مُنفَتِح ونَير.

  • بروفيسور راسم محيي الدين خمايسي، مخطط مدن وجغرافي، جامعة حيفا ومركز التخطيط والدراسات- كفركنا