• 5 آب 2012
  • أقلام مقدسية

كلما اعدت قراءة مقالة غسان بن جدو عن الربيع العربي المزعوم، وعن عدم وجود فلسفة عميقة تقف وراء هذا الربيع، تتجلى لي حقيقة هذا الزيف الذي نعيشه الآن في العالم العربي، وفي فلسطين بالذات، وفي القدس على وجه الخصوص،  والحقيقة المزيفة هذه يزيد تجليها في رمضان، وخاصة عندما أجلس على شرفة منزلي التي تطل على الأقصى، وقبة الصخرة، وقبتي كنيسة القيامة ، وابراج كنائس أخرى، ومآذن متفرقة هنا وهناك، وخاصة وانا أنظر الى شجرة خضراء فارعة في جبل صهيون تتوسط  مئذنة جامع وكنيسة العشاء الأخير للمسيح.. وقباب متفرقة ومتجمعة فيما يسمونه بحارة اليهود، تبدو مستحدثة بين قباب القدس العربية .

نعم أشعر بحقيقة القدس وانا اراها ممتدة أمامي نحو الغرب من أقصى شماله حتى أقصى جنوبه... حقيقة يجب ان توحي لأي انسان بأن ينظر للأمور بنظرة فلسفية أكثر عمقا ... تبدأ من هذا المنظر للقدس وتنتهي فيما يسمى بالربيع العربي، وأسميه انا بالشرق الأوسط الجديد، الذي يتم تصنيعه في الغرب، ويتم تمويله من سرقة اموال باطن أرضنا العربية، ونستخدم نحن الشعوب العربية من حيث ندري ولا ندري كجنود او ضحايا .. كمغفلين او مساقين إما الى الموت او الى الخنوع ..

انا لا اتفق مع غسان بن جدو في انه ليس وراء الربيع فلسفة وفلاسفة، هؤلاء موجودون، لكنهم مع الأسف الشديد ليسوا عربا، من صاغ فلسفة الربيع العربي ليس عربيا، وانما هو قادم من الغرب او يقود من هم في الغرب.. هناك فلسفة حقيقية وعميقة وراء الربيع العربي.. الذي مر بالفصول الأربعة ولم يزهر بعد، فلسفة عميقة جدا، بدأت قبل ثمانين سنة في مصر وفلسطين ثم خبت، وتعود للبروز الآن مرة أخرى، من فلسطين ومصر ايضا .. وذلك لأن الظروف باتت مواتية أكثر ... 

الربيع العربي لم تكتب فلسفته مع الهبات العربية .. ولم تكتب فلسفته بإرادة من بدأوه من الشباب العربي الأبي وبحسن نية.. فلسفته كتبت قبل ذلك بسنين خارج البلاد العربية، وسيناريوهاته درست كثيرا ، وتم تطويرها وترك تنفيذها للحظة المناسبة، التي يتم فيها ركوب الموجة.. الموجه الشعبية الوطنية الشعلة، لتسلب من مفجريها الشباب المخلص المتألم لما آل اليه وضع بلادهم، ويتم قيادتها بعيدا عن رغبة شعوب وشباب نظيف قادوها بروح وطنية... ووجهت لاحقا نحو خدمة السادة الذين يتقنون سرقة رغبات الشعوب ليخرجوا هم المستفيدون.

الفلسفة الحقيقية للربيع العربي تبدأ وتنتهي في القدس  ... مركزها القدس، ومحورها القدس، وهدفها وغاياتها هي القدس . اما من كتب هذه الفلسفة فهو ليس بمقدسي، لكنه الطامع الأكبر بالقدس، والذي يريد أن يلهي العالم كله، وليس العرب وحدهم من خلال ربيعهم، ليغضوا النظر عما يفعله بالقدس، وكيف يحولها لحظة تلو لحظة لتكون قدسه لوحده، فلسفة تقوم على اشغال العالم العربي كله بربيع مزعوم.. هو في الحقيقة خريف للقومية العربية، وخريف للتقدم والازدهار والرفعة الذي يمكن ان تبنيه فوائض الأموال العربية للدول الغنية منها إن أحسن استغلالها! هو في الواقع خريف لخبطة كل الأوراق، لكسب الوقت الذي يستغل لقضم القدس، حتى لا يبقى فيها أي قطعة لحم يمكن ان يأكلها عربي، مسلم كان أم مسيحي، وربما يبقون  لنا بعض عظم لا ينفع الا لشم أديم هبر كان يكسوه ..

الربيع العربي .. هو خطة جهنمية لفلسفة قديمة حديثة .. اساسها أن يتم تفجير صراعات متعددة، بين الأنظمة العربية بعضها ببعض، وبين الشعوب العربية بعضها ببعض، وبين كل شعب عربي بعضه ببعض، تفسيخ الدول وتوليد دويلات عربية أكثر تتصارع البقاء، وتتقاسم موارد لا تستغل الا بمشيئة غير العرب، يتحكمون بكميتها، وبأسعارها، ويتمسكون بنصيب لهم فيها..

الربيع العربي هو فلسفة لإفساد روح الوحدة العربية التي تتغنى بها الشعوب  العربية، روح المساواة العربية ، وابقاء نظام السادة والمسودين .. اعادة عصر الجواري والتخلف، هو فلسفة اطلاق فضائيات عربية تتصارع فيما بينها وتؤيد كل منها من يدفع أكثر، وتسير في مخططات واضع الفلسفة ... فلسفة فرق تسد، التي علمونا اياها في المدارس كسياسة استعمارية بغيضة، ولكننا لم نتعلمها بالطبع .. وبقينا نترك لهم المجال لممارستها وضربنا بها..

الربيع العربي فلسفة للقضاء على القومية العربية، سلاحه الطبيعي أن يكون الدين .. ولكن الدين نفسه تم تفسيخه عبر قرون وعقود الى ملل ومذاهب متخاصمة .. فبين سني وشيعي، بين يزيدي واسماعيلي، بين درزي ووهابي وعلوي وجعفري، بين اخوان مسلمين وتحريريين وسلفيين وغيرهم، وبين تيارات مختلفة داخل كل كيان اسلامي مفتت .. تماما كما حصل من تفسيخ للمسيحية، بين كاثوليكي وارثوذكسي، بين شرقي وغربي، بين رومي ولاتيني، بين لوثري وانجيلي، بين حبشي وقبطي، بين أرمني وروسي.. بين ماروني ومورموني، وبين غيرهم من كنائس وطوائف.

والربيع العربي بات ممهدا لتدخلات خارجية تقحم نفسها في الشؤون العربية عموما وفي شؤون كل دولة عربية بشكل خاص .. حتى ينسى العالم العربي بأن قضيته الأولى هي قضية فلسطين، وان شعاراته هي استعادة الحقوق الفلسطينية فيها، فبعد تضاؤل الرقعة الجغرافية التي نريدها من فلسطين كدولة للفلسطينيين، باتوا يشغلون كل العرب لتصغير الصغير ، وإخراج القدس من سوق المطالب العربية .. التي باتت شعارات لا تملك قوة او سندا لتنفيذها..

الربيع العربي فلسفة اساسها التهوا بأنفسكم  ايها العرب وتصارعوا حتى تموتوا ، واتركوا اسرائيل في حالها واتركوا القدس للإسرائيليين.

الصهيونية تيار قومي لم ينجح الا حين استغل الدين للملمة اليهود المشتتين في الأرض وانشاء وطن قومي لهم .. والصهيونية تلعب اليوم دورا معاكسا مع الشعوب العربية، هدفه استغلال الأديان لتشتيت العرب  والغاء الوطن القومي العربي !

اعتذر في النهاية لغسان بن جدو على مخالفتي اياه الرأي .. فهو لا يرى خلف الربيع العربي وامامه فلسفة قوية تحمله وتنجحه، ومفكرون عظام يبشرون بنهضة عربية فكرية ثقافية قادرة على تغيير الوضع نحو الأفضل، نحو عدالة وعدل وحرية وكرامة عربية مصانة تحترمها وتهابها بقية شعوب  الأرض .. وأقول لغسان بن جدو .... لقد سبق الربيع العربي .. فلسفة حولته عن مساره... فلسفة ليست عربية .. فلسفة تريد تحطيمنا وتفسيخنا أكثر وأكثر حتى لا يكون لنا وطن نعتز به ولا تكون لنا قدس عربية ، وكي تتحول القدس العربية الى أطلال يزورها السواح لمشاهدة بقايا حضارة اسلامية مسيحية بائدة كانت بها، تماما كما نزور نحن الأندلس وتهتز مشاعرنا أسى على ضياع غرناطة وقرطبة واشبيلية  ... ولا حول ولا قوة الا بالله...