- 7 تموز 2014
- أقلام مقدسية
بقلم : زياد ابو زياد
قبل الكتابة عن هذا المؤتمر لا بد من إعطاء بعض المعلومات عن الخلفية التي يقوم على أساسها ومن ثم التطرق إلى مضمونه. تواجه الصحافة الاسرائيلية بشكل عام أزمة خطيرة بدأت مع تعاظم نفوذ صحيفة جديدة دخلت الساحة الاعلامية الاسرائيلية قبل أكثر من خمس سنوات وهي صحيفة يسرائيل هيوم التي تأسست بتمويل من الملياردير اليهودي الأمريكي شيلدون أيدلسون الذي يملك سلسلة من الكازينوهات ومحلات القمار في الولايات المتحدة الأمريكية وهونغ كونغ وأقطار أخرى. وهو معروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة على غرار الملياردير المعروف عراب الاستيطان والتهويد إيرفن موسكوفيتش.
والاعتقاد السائد في إسرائيل أن ايدلسون أنشأ هذه الصحيفة لتقديم الدعم الاعلامي لليمين الاسرائيلي ، وقد بدأ معركته ضد إيهود أولمرت لاعتقاده بأن أولمرت معتدل ويمكن أن يفرط في حقوق الشعب الاسرائيلي وهناك انطباع بأن أيدلسون يقف وراء الحملة التي تم شنها ضد أولمرت وفتح ملفات الفساد ضده والتي أدت في نهاية المطاف إلى إنهاء حياته السياسية وهو اليوم على عتبة الدخول إلى السجن.
والجدير بالذكر أن صحيفة يسرائيل هيوم تطبع وتوزع بالمجان ولكنها تفتح صفحاتها للأقلام اليمينية المتطرفة وتقوم بالترويج للسياسيين اليمينيين وهي اليوم من أبرز المدافعين عن حكومة نتنياهو وتشكل بوقا لهم وهي من أضخم ماكينات غسل الدماغ التي يتعرض لها المجتمع الاسرائيلي الذي يشهد في الأعوام الأخيرة ظاهرة لافتة للنظر وهي التحول المضطرد نحو التطرف اليميني القومي والديني.
ونظرا لسياسة هذه الصحيفة ولأنها توزع بالمجان وتحمل الأخبار والتقارير الصحفية والمقالات والاعلانات فقد شكلت خطرا على الصحف الأساسية الأخرى وها نحن نشهد اليوم انهيار أضخم امبراطوريتين صحفيتين في إسرائيل وهما معاريف ويديعوت أحرونوت اللتين أصبحتا تعانيان من الضائقة المالية وتواجهان خطر الاغلاق ، بينما تبقى في الساحة صحيفة متميزة واحدة وهي صحيفة هآرتس المستقلة التي سآتي على ذكرها فيما بعد .
ولقد حاول عدد من أعضاء الكنيست الاسرائيلي مؤخرا تقديم مشروع قانون إلى الكنيست يمنع توزيع الصحف بالمجان ويلزمها بأن تباع بثمن لحماية الصحف التي إن اختفت فلن يظل في الساحة سوى هذه الصحيفة اليمينية المتطرفة ، ولكن هذه المحاولة لم تنجح بسبب سيطرة اليمين الأسرائيلي على الكنيست وهو المستفيد من استمرار توزيع يسرائيل هيوم بالمجان.
والجدير بالذكر أن شيلدون أيدلسون هو من أشد خصوم الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما لأنه حاول رفع نسبة الضرائب على دخل الأمريكيين من خارج أمريكا ، وقد تبرع أيدلسون بمئة مليون دولار لدعم المرشح اليميني الذي كان منافسا لأوباما في انتخابات الفترة الرئاسية الثانية وهو السناتور جينجرش وحين اضطر جينجرش للانسحاب تحول دعم أيدلسون إلى رومني ولكن دون جدوى. وأعود للساحة الصحفية الاسرائيلية فأقول بأنه وبعد تراجع توزيع كل من معاريف ويديعوت أحرونوت ومواجهتهما خطر الاغلاق لم تعد في الساحة إلا " يسرائيل هيوم " التي توزع مجانا وهآرتس التي تمثل صحيفة التيار المثقف واليسار وهي مملوكة لعائلة ثرية جدا من أصول ألمانية وقد أسسها جرشون شوكين الألماني الأصل والذي شغل لفترة موقع عضو في الكنيست الأسرائيلي عن حزب ليبرالي صغير لم يعد موجودا على الساحة السياسية الاسرائيلية ، وقد خلفه في رئاسة الصحيفة هذه الأيام نجله عموس شوكين ، الذي أعرفه شخصيا ، والمعروف بمواقفه اليسارية ومعارضته للاحتلال والاستيطان وتبنيه واحتضانه لعدد من الصحفيين والكتاب الذين يعتبرون من رموز اليسار في إسرائيل وبعضهم معروف جدا للقاريء الفلسطيني أمثال جدعون ليفي وعميره هاس وبراك رفيف وأوري مسجاف وعكيفا إلدار وعموس هارئيل وغيرهم ومقالاتهم تترجم وتنشر في الصحف الفلسطينية كالقدس والأيام وكثيرا ما يشعر المرء وهو يقرأ مقالات وتقارير جدعون ليفي وعميره هاس مثلا أنها تعبر عن عمق المأساة الفلسطينية أكثر مما يستطيع الكاتب الفلسطيني.
عموس شوكين خرج بفكرة وهي عقد مؤتمر سنوي أسماه مؤتمر إسرائيل للسلام والغاية من هذا المؤتمر هو عمل حشد إعلامي سنوي تشارك فيه شخصيات إسرائيلية وفلسطينية ودولية تناقش موضوع السلام سلبا وإيجابا والهدف هو التركيز على السلبيات المدمرة التي تترتب على غياب حل سياسي للنزاع الاسرائيلي الفلسطيني وتُبقى ملف النزاع مفتوحا وعلى جدول أعمال المجتمع الاسرائيلي والاقليمي والدولي.
ولقد دعيت للمشاركة في إحدى ورشات العمل التي يديرها المؤتمر والتي تتناول موضوع القدس المفعمة بالحساسيات الدينية والتعقيدات الديمغرافية والحضارية. ولقد قبلت الدعوة من منطلق أنني أومن دائما بأنه لا يجوز لنا أن نتخلى عن أي منبر نستطيع أن نتحدث منه بجرأة وشجاعة وبدون مجاملة او حياء من أحد ، لنقول كلمتنا وليسمعها العالم لأن الكلمة التي لا تقال تبقى صفرا لأن أحدا لن يسمعها. ولقد شاركت وأشارك في العديد من المؤتمرات الاقليمية والدولية وأذهب إليها بقناعة أن علي أن أسمع صوت شعبي المقهور للعالم. وأنا لا احاول التحاور مع أحد أو التوصل على تفاهم معه وإنما أجد ان من واجبي أن أنقل الصورة كما هي على أرض الواقع ثم الاستنتاجات التي تترتب عليها حسب قناعتي. وقناعتي هذه الأيام معروفة لكل من أتحدث معهم أو أمامهم كما أعبر عنها في كتاباتي ، وهي بكل بساطة أننا فقدنا فرصة التوصل إلى حل سياسي للصراع الاسرائيلي الفلسطيني ليس بسبب الجانب الفلسطيني وإنما بسبب السياسات التوسعية الاسرائيلية التي أجهضت كل فرصة ممكنة للحل السياسي.
ولمزيد من إيضاح موقفي فإنني أقول بأنني لست ضد حل الدولتين ولكنني أؤمن بأن هذا الخيار لم يعد ممكنا من الناحية العملية نتيجة لاستمرار البرنامج الاستيطاني الاسرائيلي في الضفة الغربية الذي لم يبق مكانا لاقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل واستحواذه على القدس واجهاض إمكانية أن تكون عاصمة لدولة فلسطين .
ولا بد في هذا الصدد من القول بأن الموقف التفاوضي الفلسطيني من أساسه قام على خطأ فاحش. فالمنظمة منذ تخلت عن حل الدولة الواحدة وقبلت بحل الدولتين لم تتمسك بالشرعية الدولية المتمثلة في قرار التقسيم 181 لعام 1947 وإنما ربطت بين هذا القرار والقرار 242 وقبلت بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وبالتالي تخلت عن مساحات شاسعة من فلسطين ، ثم قبلت عام 2000 بمبدأ تبادل الأراضي وفتحت الباب بذلك أمام عدم الاصرار على الانسحاب إلى خطوط الرابع من حزيران 1967 آنفة الذكر مما يعني التنازل عن أجزاء من الضفة الغربية وغزة الأمر الذي حول القضية التفاوضية إلى مسألة نسب مئوية ، لا تعني سوى التنازل عن أجزاء استراتيجية هامة من الأراضي الفلسطينية المحتلة إما لأنها تحتوي على مخزوننا من المياه أو لأنها تقطع أوصال الضفة الغربية وتحولها إلى كانتونات.
والأخطر من ذلك هو طريقة التعامل مع قضية القدس. فبدلا من أن يكون الموقف التفاوضي الفلسطيني هو أن التسوية بشأن القدس يجب أن تتم من خلال التفاوض على القدس ، كل القدس ، غربيها قبل شرقيها، بدأ المفاوض الفلسطيني بالحديث عن القدس الشريف أو القدس الشرقية وكانت النتيجة أننا بدأنا التفاوض بشأن ما يمكن أن تأخذه إسرائيل من القدس الشرقية ، وبلغت المأساة ذروتها حين وقع المفاوض الفلسطيني عام 2000 في مطب الحديث عن الأحياء العربية والأحياء اليهودية في القدس الأمر الذي ألغى المطالبة بالأنسحاب الكامل من القدس العربية التي احتلت عام 1967 وتعامل مع الأحياء الاستيطانية التي أقيمت بعد عام 1967 على أنها أحياء يهودية وليست مستوطنات يجب التفاوض بشأن إخلائها . وفي ضوء كل هذا وأشياء أخرى كثيرة يضيق المجال لذكرها فإنني أعتقد وبقناعة تامة ، بأن أي حل سياسي يمكن التوصل إليه في ظل المعطيات الحالية وموازين القوى العربية والدولية الحالية سيكون حلا مفرطا ومجحفا بالحقوق الوطنية الفلسطينية وعلى القيادة الفلسطينية أن تتخلى عن السعي لمثل ذلك الحل وأن تخلق الظرف المناسب لمن يمكن أن يحمل عنها عبء النضال والتفاوض ويستطيع العودة بالعملية التفاوضية إلى سقفها الطبيعي ، إن لم تكن هي قادرة على ذلك ، والذي لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يكون أدنى من المطالبة بتنفيذ قرار التقسيم 181 أو استمرار الوضع الحالي والتركيز على تعزيز وتثبيت بقاء وصمود المواطن الفلسطيني على أرضه إلى أن تتوفر الظروف الملائمة مستقبلا لحل يضمن له حقوقه ووجوده وكرامته. وأما وبالنسبة لمشاركتي في مؤتمر صحيفة هآرتس ، فإنني وتضامنا مع شعبي واستجابة لنبض الشارع الذي أصبح اليوم هو القائد فإنني سأعتذر عن المشاركة مؤكدا أنني سأظل أرفع صوت شعبي من على كل منبر وعلى ساحات امتداد العالم لأننا إن لم نرفع صوتنا بالظلم الواقع علينا فإن أحدا لن يسمعنا

