- 19 تموز 2014
- أقلام مقدسية
بقلم كامل الحسيني
منذ زمن ليس ببعيد، برزت عدة مقالات رأي في الصحف المحلية، واصفة الوضع بالقدس بالمأساوي والمتهاوي. أبناء المدينة غدوا ضحية لنوع من أنواع الفلتان الأمني في المدينة، وباتوا عرضة لابتزاز البلطجية، وللاستيلاء على عقاراتهم ومنازلهم من قِبل ما يُسمى بمافيات العقار والابتزاز، بل أصبحوا عرضة أحياناً للقتل وللسرقة، ناهيك عن تنامي ظاهرة الخلافات العائلية وحتى الفتنة الدينية.
هذه الظروف جعلت اليأس والخنوع يتسلّل إلى نفوس المقدسيين لاسيما الشباب، وما زاد الطين بلّة هو تفشي ما أسماه بعض المراقبين بظاهرة "الأسرلة"، والتي بدت على بعض مناحي الحياة، وخاصة لدى بعض الشباب المقدسي، وتتمثّل أسوأ هذه المظاهر في تفشي المخدرات، بينما كان أبسطها هو سماع الموسيقى العبرية من داخل سيارات بعض الشباب المقدسي، حتى بات الإنسان المقدسي يستمع إلى كلمات عبرية عند شرائه المأكولات من مخابز المدينة مثل "مشولاش وعوجيت وبولغاريت" للدلالة على أطعمة ومأكولات تم "تطبيعها" مع مُسمَّيات المأكولات في الجانب الغربي، هذه المظاهر يُراد بها أن توحي ببوادر نهاية الحكاية في القدس الشرقية.
تحدث الجميع مؤخراً عن تقرير للحكومة الإسرائيلية يدعو إلى الاستثمار في القدس الشرقية من أجل ضمان انصياعها بالكامل، والإمعان في مظاهر الانصهار، وأشاد التقرير بأنّ الركيزة الأهم في هذه الاستراتيجية هي الشباب، والذي بدأ يتطبّع بما هو في الشطر الغربي من المدينة، حيث أنّ معظمهم يعملون هنالك ويتحدثون العبرية ويحملون الجنسية الإسرائيلية ويستمعون للموسيقى العبرية، فالتقرير يجزم بأن تطويع المدينة الشرقية يجب أنْ يُحسم بالمال.
إنّ "انتفاضة" شباب القدس السلمية ورفضهم لهذا الانصياع، ولهذا التوحّد غير الطبيعي وغير المُستدام مع هذه المظاهر، بسبب الشرارة التي أشعلها خطف واغتيال الطفل محمد أبو خضير على خلفية قومية عنصرية، ومن قلب شعفاط، حيث تسلّل القطار الخفيف في زمن مازالت فيه قضية القدس لم تحل ولم تُحسم سياسياً؛ لهي أكبر برهان على فشل ما هو قاصر وفاشل نظريا ًوعمليا ًبسبب السياسات الخاطئة المُرتكبة من عدة أطراف، فالرسالة الأهم من هذه الهبة هو أنه لا يمكن إهمال قضية القدس، لا يمكن نسيان قضية القدس، لا يمكن افتراض أن فرض الأمر الواقع في القدس سيحقِّق الاستقرار والخنوع والتوحد، فالقضية سياسية أولا ًقبل أن تكون اقتصادية وحياتية.
ولقد أثبت شباب القدس أنهم حقا ًنشامى، أبطال، أحرار، أصحاب كرامة وأصحاب حق، لقد أثبت هولاء الشباب أن بوصلتهم وطنية وواضحة، وأنهم حتى لو أجبروا بسبب محدودية الفرص إلى العمل هناك، أو التطبيع مع ما هو هناك؛ فهذا ليس إلا بسبب الحاجة، بسبب الظرف، بسبب إهمال منا جميعاً، سلطةً ومجتمعاً، لأننا تركناهم وحدهم يواجهون المأساة والمعاناة يومياً، وجعلنا قضية القدس مجرد أولوية وطنية وشعاراً، بينما وعلى أرض الواقع ظلّت في آخر جدول أعمالنا.
أما اليوم، فعلى جميع من عايرنا وعاتبنا بأن أبناء القدس انتهوا، بأن القدس ضاعت، بأن شباب القدس مشغولون بسماع الموسيقى العبرية، وبأنهم باعوا الوطن في سبيل لقمة العيش ومتاع الحياة، على كل هولاء الاعتذار اليوم لهولاء النشامى، الرجال، الأطفال، لهولاء المقدسيين.اليوم، حطّم هولاء الشباب القيد، لقد استعادوا ثقتهم بأنفسهم وأعادوها لنا، دون الحاجة إلى يد العون والشفقة من أحد.لقد أثبت هؤلاء الشباب أن الرادعَ غداً للبلطجة والزعرنة والابتزاز وكافة المظاهر السلبية هم هؤلاء الشباب، لقد انتصرت القدس أخيراً بهبّة وبوعيّ وبوطنية وبسواعد شبابها، نفسهم الشباب الذين افترض الكثير من المشككين أنهم انتهوا، انجرفوا وانحرفوا.
إذاً، لنعتذر جميعاً لهولاء الشباب، ولندعم عنفوانهم، ولنعدّ لهم مستقبلاً يضمن لهم أملاً أكثر، وعلماً أكثر، وكرامة أكثر، ووطناً أكبر، وقدساً أجمل، ووظائف أكثر. هذا واجبنا والتزامنا، الآن وفي هذا التوقيت، بعد أن فجروا صرخة للكرامة المتجدّدة، وللعزة المجرّدة من الذات.حتى وإن انتهت هبتهم ، وعادوا إلى وظائفهم غرب المدينة أو خارجها، فلقد انكسر الحاجز، ووصلت الرسالة، فالبوصلة واضحة، لن يعود الماضي، ولن يعود أحد إلى الماضي، علينا أن نعمل لمستقبل أبنائنا.
وعلى جيراننا في القدس الغربية أن يعوا أننا شعبٌ داعي للسلام، وأننا دعاةُ حسن الجوار ولسنا دعاةَ عنف وكراهية، ولكن على أسس من الكرامة والعدالة، لقد اكتشف هؤلاء الشباب زيف ادعاء القدس الموحدة، فهم في أعمالهم عندكم ليسوا جيراناً، ولا شركاءً في مدينة السلام التي ننشدها، هم يُنظر إليهم على أنهم مجرد أجيرين وعمال، وأحيانا ًعبيداً في أعين بعضكم. لا، بل هم اليوم أقرانٌ لكم، وجيران ذوو كرامة وعزة، هذا هو الحال والحلّ الوحيد لاستقرار المدينة. الحل هو أن تكون قدسنا عربية، عاصمة لفلسطين، منعتقة من الاحتلال، وموحدة مع ذاتها أولاً، وأن تنفض القدس الشرقية عنها غبار الوهن والضعف والاحتقان. ومن أجل مستقبل غير هذا، لا بد أن تخلع القدس الغربية لباس العنصرية والكراهية والفوقية وحب السيطرة والتفرد، هكذا فقط تصبح القدس يوماً ما وبشطريها المستقليْن سياسياً، فعلاً العاصمة المشتركة للتسامح والسلام.

