- 5 آب 2014
- أقلام مقدسية
بقلم على جرادرات *
صدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين ثاني 1947 القرار رقم (181) الذي قضى بتقسيم فلسطين وإقامة دولتين واحدة “عربية” وأخرى “يهودية”، بينما تم وضع القدس تحت وصاية دولية، ما عنى بقاء الوضع فيها على ما هو عليه، أي عدم جواز تغيير معالمها سكانياً وجغرافياً في حدودها الممتدة- حسب خريطة التقسيم- من بيت لحم جنوباً حتى ضاحية كفر عقب المحاذية لمدينة رام الله شمالاً، ومن بلدة أبو ديس شرقاً حتى بلدة عين كارم غرباً .
لكن قادة إسرائيل فرضوا بالقوة وخلافاً لنص القرار الدولي حدود كيانهم على 78% من مساحة فلسطين الانتدابية، بما في ذلك ما صار يسمى “القدس الغربية”، حيث قال بن غوريون عندما تم انتقاد تجاوز حدود التقسيم: “إن حدود إسرائيل هي حيث يقف آخر جندي من جنودها” .
بعد احتلال ما تبقى من أرض فلسطين عام 1967 أصدر “الكنيست” الإسرائيلي قرار ضم ما صار يسمى “القدس الشرقية” . علماً بأن قرار الضم هذا لم يتضمن تطبيق كامل القوانين الإسرائيلية عليها حيث ظلت تسمى “لواء القدس العسكري” إلى أن أقر “الكنيست” ذلك في العام 1981 أي بعد إبرام معاهدة “كامب ديفيد للسلام” مع مصر، إنما من دون اعتبار الفلسطينيين المقدسيين مواطنين بل “مقيمين” .
وكل ذلك في إطار تنفيذ مخطط لتهويد القدس واعتبارها (العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل)، عدا تفريغها ما أمكن من سكانها، خاصة قياداتها الوطنية السياسية والمجتمعية امثال عبدالحميد السائح وروحي الخطيب وبهجت أبو غربية والدكتور صبحي غوشة والكاتب محمود شقير واحمد خليفة والمطران كبوتشي وغيرهم كُثر من دون أن ننسى القرار الاسرائيلي بنقل مقر محكمة التمييز الأردنية من القدس إلى رام الله وإحلال “المحكمة المركزية” الإسرائيلية مكانها، ما قاد إلى إضراب الأغلبية الساحقة من محامي وقضاة الضفة بمن فيهم المقدسيون عن المرافعة أمام محاكم الضفة والقدس أو العمل فيها، حتى تم فكه بعد اتفاق أوسلو ونشوء السلطة الفلسطينية على أساسه في العام 1994 .
لكن في الحالات كافة ظلت حساسية المكانة الدينية والحضارية للمسجد الأقصى بمثابة لغم تتجنب حكومات إسرائيل المتعاقبة التمادي في الاقتراب منه خشية أن يشعل انفجاره حريقاً يتجاوز حدود فلسطين ويصعب احتواؤه والسيطرة عليه . وهو ما يفسِّر قبول حكومات إسرائيل بألوانها ببقاء الولاية الأردنية على المسجد الأقصى وحرمه الشريف كما تم التأكيد عليه في “معاهدة وادي عربة للسلام” بين الطرفين في العام 1994 فقادة إسرائيل رغم ما بيدهم من عوامل قوة هائلة بالمعنى الشامل للكلمة، ورغم ما يميزهم من صلف سياسي قل نظيره وتشدد أيديولوجي لا يضاهى ورغم ما فرضوه من وقائع استيطانية وتهويدية، يدركون أن التمادي في الاعتداء على المسجد الأقصى كان السبب المباشر لاندلاع العديد من الانتفاضات الفلسطينية، سواء تلك التي وقعت قبل قيام دولتهم في عشرينات القرن الماضي وأبرزها “انتفاضة البراق” عام 1929 أو تلك التي وقعت بعد احتلال الضفة وغزة عام 1967 وأبرزها “انتفاضتا، (النفق 1996)، بسبب الحفريات تحت الحرم، و(الأقصى 2000) بسبب زيارة شارون الاستفزازية لباحات المسجد..
لكن ما يجري الآن في القدس وحرمها خصوصاً من محاولات اسرائيل سن تشريعات وإطلاق العنان لغلاة المستوطنين وممثليهم في الحكومة و”الكنيست” لاستباحة الحرم القدسي، عدا الرفض السياسي لإخضاع قضية القدس للتفاوض إنما يعكس نوايا مبيتة وتوق قديم جديد للاستيلاء على الحرم القدسي، يشجعها ما يسود مراكز القوة العربية من انكفاء على الهموم والقضايا الداخلية، بما زاد الحالة الفلسطينية المنقسمة على نفسها هذا فضلاً عن الغبطة الاسرائيلية مما يجري من حرف لبوصلة الانتفاضات الشعبية العربية على يد الجماعات التكفيرية الدموية التي تتاجر بالقدس وتطعنها في القلب، وتتلطى باسمها وترتكب كل صنوف الفتن والحروب الطائفية والمذهبية في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والحبل على الجرار .
فقد قلبت هذه الجماعات معيار المقاومة والجهاد حيث لم يعد لفلسطين وقلبها القدس أي مكان في تفكيرها وأجندتها، رغم أن كثيراً منها ينتحل مسميات تنتسب إلى القدس وبيت المقدس . . الخ.
صحيح أن محاولات سن التشريعات لتقسيم الحرم القدسي مكانياً وزمانياً وإنهاء الولاية الأردنية عليه، لم تتحول إلى قوانين، لكن الصحيح أيضاً أن مجرد التجرؤ على ذلك، إنما هو تمهيد لاستدخال تدريجي للفكرة إلى الوعي الفلسطيني والعربي والعالمي، بحيث يجعل تكرار الاستباحات الميدانية والسياسية أمراً معتاداً من شأنه أن يكرر ما حصل في الحرم الإبراهيمي في
*عن القدس الان

