• 22 أيلول 2014
  • أقلام مقدسية

بقلم: زياد ابو زياد *

آلمني كما آلم الكثيرين ، البيان الذي نشر في الصحف المحلية على مدى اليومين الماضيين من قبل الهيئة الادارية لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية بالقدس والذي اشتكى من أن الأوضاع المالية الصعبة التي يمر بها المستشفى والناجمة – حسب البيان – "عن عدم التزام حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية بتسديد المبالغ المالية المستحقة للمستشفى على وزارة الصحة الفلسطينية والتي بلغت حتى منتصف شهر أيلول الحالي 63 مليون شيكل ، وأن المستشفى بات نتيجة لذلك يعاني أزمة في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية وتراكم رواتب الموظفين التي لم يتمكن المستشفى من دفعها ، وأن استمرار عدم وفاء السلطة بالتزاماتها يهدد بإغلاق المستشفى لا سمح الله ".

ليست هذه هي المرة الأولى التي يعاني فيها مستشفى المقاصد من الشح المالي وأخشى ألا تكون الأخيرة ، ولكنني أعتقد جازما بأن هذا البيان لم يكن ليصدر على الملأ لو لم تكن الأزمة قد وصلت حدا لا يطاق، علما بأنه لا يطالب السلطة بتسديد كل الدين الذي عليها وإنما بجزء منه!

لقد مر المستشفى في أزمات عديدة من قبل ، بعضها لأسباب يعرفها كل من هو معني بالشأن المقدسي ولا داعي للخوض فيها لا سيما وأنها باتت جزءا من الماضي ، وبعضها ناتج عن ثقافة أننا نريد كل شيء ببلاش وبعضها عن الأوضاع بشكل عام. ولقد كانت القيادة الفلسطينية تحرص دائما على ايجاد الحلول المرحلية والجزئية للمستشفى والتي لم تكن أكثر من ترحيل للأزمة التي يبدو أنها استنفدت كل امكانيات التأجيل وباتت بحاجة إلى حل جذري لا سيما وأن هناك اليوم إدارة في المستشفى قادرة ، إذا ما توفرت لها الامكانيات اللازمة ، على النهوض به والحفاظ عليه كقلعة من قلاع القدس التي تتعرض للضربات المتتالية لإسقاطها وتعزيز القبضة على القدس وتغيير طابعها.

وإذ أشعر بالألم لما آل إليه وضع مستشفى المقاصد فإنني أضم صوتي لصوت الهيئة الادارية للجمعية وأناشد كل مقدسي قادر ، وكل فلسطيني وعربي وكل إنسان حر حريص على القدس أن يمد يد العون للمستشفى للنهوض به من كبوته وتمكينه من الاستمرار في أداء مهمته. وأدعو كل أصدقاء المقاصد ومحبيه للتنادي لهذا الغرض كما أدعو السلطة الفلسطينية أن تضع المستشفى في مرتبة الأولوية القصوى وأن تتعامل معه بشكل استثنائي بعيدا عن الروتين أو البيروقراطية العادية ، وأن تجند له من المال ما يمكنه من الاستمرار بأمان وثقة بالمستقبل.

وإذا كنت قد تحدثت ولو بشكل مقتضب عن جمعية المقاصد التي واكبت مسيرتها منذ النصف الثاني من الخمسينيات وكنت عضوا في هيئتها العامة ، إلا أنني أعتقد بأنه لا يمكن الحديث عن المقاصد بمعزل عن الحديث عن القدس.

والحديث عن القدس لا بد أن يكون حديثا عن كل وليس عن جزء مهما كانت أهميته. وهنا أقول بأن القدس هي تركيبة من الناس ، أي أهلها ، والمؤسسات والأماكن الدينية والسياحية والثقافية والاجتماعية.

فالناس بالقدس ، وأقصد أهلها الفلسطينيون يتعرضون منذ السنوات الأولى للاحتلال لمحاولات الطمس والتذويب والترحيل والربط بالمجتمع الاسرائيلي وبلغت هذه المحاولات أوجها منذ بناء الجدار والاستفراد بالقدس وأهلها. ولقد ظهرت نتيجة لذلك بعض الظواهر الاجتماعية السلبية كانفصال شريحة من أهل القدس عن محيطها خارج الجدار وتوجهها نحو الداخل من خلال الروابط الاجتماعية أو الاقتصادية وبالاتجاهين ، وبعض الظواهر الايجابية التي برزت بحدة في الأحداث الأخيرة والتي جاءت بمثابة مفاجأة لكل الذين ظنوا أن الأجيال الجديدة في القدس تأسرلت ونسيت انتماءها ، وأثبتت تلك الأحداث أن الشباب المقدسي يتقدمون أمثالهم من أبناء الضفة الذين ربما نجح الترويض أو الضغط أو الاحباط أو اليأس أو الحاجة في كبح جماحهم.

والى جانب الهجمة والضغط التي يتعرض لها شعبنا في القدس والتي ثبت أنها لم تتمخض إلا عن رد فعل عكسي ، هناك الحملة التي تتعرض لها المؤسسات المقدسية التي لا يتسع المكان لذكرها جميعا وإنما سأذكر بعض رموزها كبيت الشرق والغرفة التجارية والمسرح الوطني الفلسطيني وشركة كهرباء محافظة القدس . فقد تم إغلاق العديد من المؤسسات الفلسطينية السياسية والاقتصادية والوطنية والثقافية ولم يعد أحد يتحدث بالكاد عنها ، ودب الخلاف في داخل بعض ما تبقى منها وشل حركتها ، ولم يبق سوى شركة الكهرباء التي تشكل أضخم صرح ورمز اقتصادي ووطني بالقدس والتي تعاني هي الأخرى من أزمة مالية خانقة نتيجة للمضايقات التي واجهتها وتواجهها وشلت قدرتها الانتاجية وحولتها إلى وكيل توزيع ، ونتيجة أيضا للفلتان والتسيب الذي فسح المجال واسعا أمام الاعتداءات المستمرة ضد الشركة سواء من خلال سرقة التيار علنا وعلى رؤوس الأشهاد أو الاعتداءات على ممتلكاتها وموظفيها. هذه الشركة بحاجة ماسة إلى لفتة من قبل أولي الأمر للنهوض بها ومنع انهيارها لأنها تبقى أحد أبرز القلاع الشاهدة على عروبة القدس وفلسطينيتها رغم كل الضغوط التي تواجهها للاستيلاء على امتيازها وإلغاء وجودها.

وإلى جانب المؤسسات ، فإن هناك هجمة ممنهجة بحق قطاعات هامة في المجتمع المقدسي ، فقد تم الاجهاز على القطاع الصحي الخاص من قبل صناديق المرضى الاسرائيلية ( كوبات حوليم ) ولم يبق مجال للطب الخاص بالمدينة بل أن صناديق المرضى الاسرائيلية تستقطب خيرة الأطباء في الضفة وتشغلهم لديها وبالتالي يصبحون جزءا من نطاق عملها المؤسسي الاسرائيلي ولو في بعض الأحيان تحت مسميات جذابة.

وهناك قطاع التعليم، فبالإضافة إلى المدارس التي ترتبط مباشرة ببلدية القدس الغربية تم ربط معظم إن لم يكن جميع المدارس الخاصة بالقدس من خلال تقديم الدعم المالي لها وأصبحت مرتبطة بشكل أو بآخر بإدارة المعارف الاسرائيلية.

وأما الأماكن الدينية والسياحية فالأقصى خير شاهد على ذلك والاستيلاء على المعالم السياحية في القدس وخاصة بلدة سلوان هو خير مثال على ذلك.

القدس هي جسم متعدد الجوانب والجوارح ، وهي بحاجة إلى علاج واهتمام شامل، ولكن الحفاظ على ما تبقى من مؤسساتها هو واجب لا يجوز التهاون فيه بأي حال من الأحوال.

صرخة الهيئة الادارية لجمعية المقاصد الخيرية هي صرخة كل مؤسسة مقدسية ، وهي تحد لضمير كل عربي. والدولة العربية التي دفعت مؤخرا اكثر من 14 مليون دولار لمؤسسة بروكينجز في واشنطن لاسترضاء رئيسها مارتن انديك ، تستطيع هي وغيرها من الدول العربية دفع هذه المبالغ للمقاصد ولشركة الكهرباء وللمؤسسات المقدسية إن كانت تريد القدس والأقصى، وإلا فإنها تضع نفسها في دائرة الاتهام

*عن صحيفة القدس