- 27 تشرين الثاني 2014
- أقلام مقدسية
بقلم : غادة ياسين *
كنت أكلم صديقاً لي عن عروض تقدمها مطاعم في القدس بمناسبة "عيد الشكر الأميركي" أو ثانكس جيفنج. في الواقع تكلمت بشيء من الاستنكار والخجل لأن المقدسيين لا يتكلمون عادة عن أمور بعيدة عن السياسة. أخبرني الصديق أن صديقة لنا تفكر في إقامة "ثانكس جيفنج" في بيتها وأن أخته تفكر بالأمر نفسه. خرجت من دائرة خجلي وقلت له أنني أفكر بإقامة حفلة مماثلة في منزلي "في آخر خميس من شهر تشرين الثاني". قال بشيء من التهكم: لماذا لا تقمن جميعاً حفلا كبيراً واحداً يكون عيد الشكر الفلسطيني؟
في الواقع، وبعيداً عن السخرية والهزل، لا زال هناك ما نشكر عليه. حقيقة أننا على قيد الحياة، وهناك أسباب كثيرة للموت، وأن أحباءنا ما زالوا على قيد الحياة. حقيقة أننا لسنا في غزة، مع اننا نفكر بما حل بأهلها. لكن هناك الكثير لنحزن عليه أيضا: "ثانكس جيفنج" كانت ليلة ماطرة جداً لم أستطع خلالها حتى الخروج للتسوق. حقيقة أن أطفالاً صغاراً فقدوا آباءهم قبل أقل من أسبوع- هدمت بيوتهم ولا نعرف مصيرهم- قد يكونوا في العراء؟ أرجو أن لا- فإن الأسرة الممتدة لا تزال بخير في القدس- قد نكون شكورين لذلك؟
في عام 1948 خرجت أسرة والدي من بيتها في القطمون- القدس الغربية- طالبة اللجوء إلى جهة غير معلومة. جدي وجدتي الحبلى وست بنات. جدتي كانت حاملا بأبي وتبقى لها بضعة أيام لتضع. هاموا في بعض المغر على حد قول عمتي. كان ممكن لجدتي أن تفقد المولود- وبذلك كان يمكن لي ولأسرتي الصغيرة بعد ذلك ألا نكون. لكن جدي قرر العودة واستئجار بيت في البلدة القديمة من القدس- وهناك ولد أبي وبقيت هذه البيت منزل أسرتي إلى هذا اليوم. أيام عصيبة عاشتها هذه الأسرة المغامرة التي رفضت اللجوء ثانية في 1967 وبقيت صامدة في بيتها رغم القصف والحصار حيث وجدت فرصة ثانية لكي "يموتوا" ولا يبقى أحد منهم لينشىء أسرتي بعد ذلك. وتجددت على هذه الأسرة وبراعمها بعد ذلك القصص والنكبات والمغامرات. كل قصة كان ممكن أن تنتهي بنهايتهم أو أن يخرجوا منها على هيئة "ناجين" وهكذا دواليك حتى يومنا هذا.
أعتقد أن هناك الكثير لنقدم له الشكر نحن الناجون. لكن لا أعتقد أن عيدنا سيكون مع عيد أميركا. أعتقد أننا سنختار تاريخاً آخر. وأعتقد أن عيدنا سيكون عيداً تتكلم عنه شعوب أخرى. وسيعجب بنا أحفادنا . أنا لا أعرف على وجه التأكيد لكن أرجو ذلك. لكن في يومنا هذا مسيرة الفقدان والصمود والنجاة مستمرة إلى أجل لا نعرفه.
*كاتبه فلسطينية تعيش في القدس

