• 25 آب 2012
  • أقلام مقدسية

أثارت استقالة عبد الحميد شومان  المفاجئة من رئاسة مجلس ادارة البنك العربي ضجة كبيرة في الأوساط المالية، وفي اوساط مساهمي البنك العربي خاصة، وكثير منهم فلسطينيون، يعتبرون من صغار المساهمين، اذا ما قارناهم بحملة الأسهم من عائلات ثلاث، اثنتان فلسطينيتان هما عائلة شومان من بيت حنينا/ القدس، وعائلة المصري من نابلس ، وعائلة الحريري اللبنانية، حيث تمتلك هذه العائلات الثلاث مع مؤسسات مرتبطة بها ، قرابة 40% من اسهم هذا البنك اضافة الى مؤسسة الضمان الاجتماعي الأردنية التي تملك قرابة 15% من اسهم البنك. وعلى ذلك فان القرارات الهامة، والسياسات العامة للبنك يقررها الأقطاب الأربعة المذكورين، والذين يملكون أكثر من نصف أسهم البنك. لكننا جميعا نعرف، ان عائلة شومان التي اسست البنك في القدس قبل اكثر من ثمانين عاما، ظلت تتربع على المنصب الأعلى في ادارة البنك، الى أن جاءت استقالة عبد الحميد شومان  ، حفيد المؤسس، وحامل اسمه.

وكعادتنا نحن العرب، فإننا لا نتفق اذا حاولنا العمل جماعيا، ويأتي صراع المصالح ، وصراع العائلات، ليهز كياننا، سواء على المستوى السياسي، او المستوى الاقتصادي.

وحسب خبرتنا مع البنك العربي لسنوات عديدة، فان عائلة شومان قادت البنك خلال السنوات السابقة بأكبر قدر من التحفظات، ومن تجنب المخاطر او التقليل منها، وادارت البنك بحكمة وحنكة ومهارة أدت به لأن يكون صرحا ماليا واقتصاديا عظيما، لنا أن نفخر به. حيث تخطى البنك العربي أزمته خلال حرب 1948، والتزم بسداد ودائع الناس، وحافظ على حقوق مساهميه ، واندفع في النهوض بمستواه ، في حين ادت هذه الحرب الى افلاس بنك الأمة، الذي قاده الاقتصادي والسياسي الفلسطيني احمد حلمي باشا.

وكانت هزة البنك الثانية عام 1967، حيث خسر البنك جميع فروعه في الضفة الغربية، لكنه التزم بودائع الناس في هذه الفروع، وعاد ليقوى مرة اخرى ويثبت انه فوق الأزمات، وانه قادر أن يتحدى تلك الأزمات فيقوى أكثر وأكثر، حتى صارت له صفة دولية وسمعة كبيرة، ولديه ودائع ، وحجم عمل تزيد عن عشرة بنوك حاولت منافسته.

ومر البنك بين هاتين الحربين، بأزمات نتجت عن ثورات عربية ادت الى تأميم فروع البنك في بعض الدول العربية، وصمد البنك ولم يتأثر عمله، بل عاد للنهوض والاستمرار بزخم، ودوما كنا ننظر بإعجاب الى البنك العربي، ونتباهى به وبحسن ادارته من قبل عبد الحميد شومان المؤسس والعصامي، وابنيه عبد المجيد وخالد، وحفيده عبد الحميد.

ومر البنك بخلاف عائلي ايضا بين عبد المجيد وأخيه خالد، ادى الى انسحاب خالد من البنك، وبيع اسهمه. لكن البنك لم يهتز، وتخطى تلك الأزمة.

كم من أزمة مر بها الأردن، واستدانت خلالها الحكومة الأردنية من البنك العربي لتدفع رواتب موظفيها، وكم من مرة استدانت سلطتنا الوطنية من البنك العربي لتدفع رواتب موظفيها، هذا ما وجب علينا أن لا ننساه !

تقول بعض التحليلات التي تواترت عن اسباب استقالة عبد الحميد شومان، الى خلاف بينه وبين المدير العام " اللبناني" والمدعوم من عائلة الحريري، حول تمويل البنك لبعض نشاطات شركات الحريري المتعثرة في الأردن، حيث عارض شومان منحهم هذا التمويل. وتقول تحليلات أخرى الى ان المشكلة تتعلق بقرض من البنك العربي للسلطة الوطنية الفلسطينية قيمته 300 مليون دينار او دولار، حيث سيشكل هذا القرض المخرج للأزمة المالية التي تعانيها حكومة سلام فياض، وسيشكل انعاشا للاقتصاد الفلسطيني المتعثر، وأن المدير اللبناني مدعوما بعائلة الحريري وبعض اعضاء مجلس الادارة الآخرين كانوا ضد منح الحكومة الفلسطينية هذا القرض.  ويعزو تحليل ثالث الى قضية بدأت منذ اكثر من سنتين تتعلق باندماج بنك القاهرة عمان مع البنك العربي، الذي عارضه شومان ، ويقول تحليل رابع الى أن مدير عام البنك يريد أن ينهج سياسة أكثر انفتاحا ومعها مخاطرة أكبر، بينما يتمسك شومان بسياسة أكثر تحفظا وأقل مخاطرة، وأيا ما كان سبب الخلاف، فان البنك العربي سيبقى ، وستضبطه قوانين بنكية دولية واردنية، ورقابة من البنك المركزي الأردني، وحماية حكومية اردنية معنية بعدم تعرض هذا البنك القوي لهزة تهز معها الاقتصاد الاردني، واقتصادنا نحن في فلسطين ايضا.

وعلى ذلك فإنني لا ارى اية حاجة الى الفزع والتخوف من قبل المودعين، ومن قبل أصحاب الأسهم أيضا، فالبنك العربي قوي بأصوله وودائعه وحقوق مساهميه، وأي اندفاع لأصحاب الأسهم لبيع أسهمهم سيؤدي بهم الى خسائر سيندموا عليها لاحقا، لأن الفزع وعرض الأسهم للبيع، سيؤدي الى انخفاض سعر السهم، وسيشتري الأسهم في هذه الحالة نفس المجموعة من الأثرياء ، او الاسر الثرية، وستجني من ذلك ارباحا هائلة حين تمر أزمة البنك كما مرت ازمات سابقة أكثر شدة وضراوة من ازمته الحالية، وسيعود سهم البنك العربي للارتفاع مرة أخرى، وسيكون الخاسر الوحيد هو من باع اسهمه .

آمل أن يعدل عبد الحميد شومان عن استقالته، وقد سمعت هذا  الأمل من كثير من الناس في الأردن وهنا في فلسطين، ليبقى البنك العربي ذخيرتنا الاقتصادية، ويتخطى ازمته الحالية كما تخطاها في مرات سابقة .