• 3 شباط 2015
  • أقلام مقدسية

بقلم : د. حمزة ذيب مصطفى                                                        

 سبق لي أن كتبت عن الألم الكبير الذي يعصف بجسد هذا الصرح العلمي السامق. كما أسمعت أنًّات هذه الجامعة وهي تخرج من بين حنجرتها بكل مرارة وأسى وحزن. حاولت أن يصل هذا الصوت الموجع وهذا الأنين الذي يخرج بكل ثقل كي يلامس آذان وشغاف قلوب الأهل والإخوان والأعوان في دول مجلس التعاون الخليجي العربي. ونحن لن نمل من الكتابة أو محاولة إيصال الأنًّات والصوت المحشرج في الصدور إلى من نجعلهم السند المتين والركن الركين في كلِّ ملمةٍ أو مهمة أو عثرة أو كبوة. فهذا حال الأخوًّة الصادقة والمحبة الخالصة والمودة التي لا تشوبها شائبة من نفاق أو مجاملة عارية عن الصدق أو المصارحة والمكاشفة بكل شفافية ورحابة صدر. هذا حالنا كشعب فلسطيني عامة والقدس الشريف خاصة وجامعتها بصورة أخص مع هؤلاء الأشقاء الذين اعتدنا أن يقفوا إلى جانبنا في كل محنة وضيق وكرب، سواء أكان ذلك على الصعيد الرسمي وصعيد الدولة أم على الصعيد الشعبي والجماهيري والمؤسساتي. وهناك الكثير على أرض الواقع مما يشهد لهذه المواقف النبيلة والشجاعة والكريمة في وطننا الكبير. وحينما كنت في العاصمة الرياض لأجل حضور فعاليات المؤتمر العام السادس وبرامج المجلس التنفيذي لاتحاد جامعات العالم الإسلامي ممثلا لجامعة القدس ونيابةَ عن رئيسها الموقر حيث الجامعة عضو المؤتمر العام للاتحاد، لا بل وعضو المجلس التنفيذي كذلك والمكون من أربعة عشر جامعة من أصل قرابة الثلاثمائة جامعة عربية وإسلامية منضوية تحت ظلال هذا الاتحاد. حينما انتهينا من فعاليات المؤتمر العام والمجلس التنفيذي كان من المقرر أن يزور مجموعنا الكبير إمارة مدينة ومنطقة الرياض للقاء سمو الأمير فكان الترتيب أن يتحدث معالي الدكتور عبد العزيز التويجري يجري أمين عام الاتحاد ومديرالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ( الإيسسكو ) ثم معالي الدكتور عبدالله بن سليمان أبا الخيل رئيس المجلس التنفيذي للاتحاد ورئيس جامعة الإمام محمد بن سعود اللإسلامية. ثم شخصية واحدة من بين هذا المجموع، فاختار الإخوة السعوديون وقرروا بالإجماع أن يلقي كلمة الوفود المشاركة صاحب هذه السطور، وكانت مفاجأة لي ولم أعلم بهذا القرار إلا ونحن على سلم ودرجات الإمارة قبيل لقائنا سمو الأمير بدقائق يسيرة. وما كان ذلك ليكون لولا إرادة الله أولا ثم كون المملكة العربية السعودية تكن كل الإحترام والتقدير لأبناء شعبنا الفلسطيني، كما أنها ذات دلالة على موقفها من القضية الفلسطينية الموقف الحق والموقف الشجاع. وكذلك تماما كما كان في اجتماع اتحاد الجامعات العربية في الرياض مع صاحب السمو الملكي المرحوم نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية آنئذ طيب الله ثراه وكان ذلك باستضافة كريمة من جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، حيث كنت ممثلا أيضا للجامعة في هذا المؤتمر نيابة عن سعادة رئيس الجامعة. إذ وجه لي كلمة خاصة من بين المجموع الكبير من أرجاء الوطن العربي كافة فكانت دلالة على الإهتمام المميز بالقضية الفلسطينية. والمواقف من أهلنا وأشقائنا في الخليج أكثر من أن تحصى. من هذه الأرضية  ذات الدلالة العميقة على الأصالة وطيب المحتد لدى هؤلاء السراة ومن قاعدة التقدير والمودة والثناء الحسن نوجه لهم رسالة جامعة القدس وصرختها المدوية كي نطلع الأهل - في تلك المواقع العزيزة على أفئدتنا وعقولنا وقبل ذلك وآكد العزيزة على دوائر العقيدة والإيمان لدينا - على الرسالة الجليلة التي تضطلع بها هذه الجامعة العتيدة وهذا الصرح العلمي العملاق فيما يحويه من علوم جمة غزيرة وتقدم معرفي مميز، وتخصصات في شتى مجالات العلم من دراسات إنسانية متعددة وعميقة إلى دراسات في مجالات الطب البشري وطب الأسنان والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والتخصصات المتنوعة في مجال العلوم من فيزياء وكيمياء وأحياء وتصنيع غذائي وسواها. إلى فضاءات المجالات الصحية كالتمريض والأشعة والمختبرات والطب المخبري والصيدلة،وعلوم الإدارة والمحاسبة والتنمية بالإضافة إلى مراكز البحث العلمي والطب العدلي ( الشرعي ) ومتحف الرياضيات وهو الأول من نوعه في كل جامعات الوطن العربي، ومتحف العلوم وهو الرقم الثاني على مستوى الجامعات العربية كلها. ناهيكم عن مستوى الجامعة في مجالات الأبحاث العلمية والمحكمة دوليا وفي مجلات عالمية ، حيث حازت جامعة القدس قبل سنتين على المركز الأول في الجامعات الفلسطينية والرقم الثامن عشر على مستوى الجامعات في الوطن العربي من المحيط غلى الخليج وحازت العام الماضي أو الذي قبله على المركز الثاني في هذا الوسط الجامعي الفلسطيني وذلك في مجال الأبحاث العلمية ذات المعيار والميزان الدولي. وهذا نتيجة دراسة قامت بها إحدى المؤسسات العلمية ذات الصبغة الدولية في اسبانيا وهناك أمر يعدل ذلك كله او يزيد لا تضطلع به مؤسسة أو جامعة فلسطينية سوى ما كان من المؤسسة الوقفية الإسلامية على ثرى القدس بعد رسالة ومكانة وجلالة المسجد الأقصى المبارك على هذا الثرى. أمر يعدل الرسالة العلمية والبحثية للجامعة لا بل يزيد ألا وهو الحفاظ على عروبة وإسلامية هذه المدينة المقدسة، والوقوف سدا منيعا أمام سياسات تهويد القدس الشريف، وتأكيد كل ما هو عربي وإسلامي فيها. والرجعة العكسية تجاه القدس حيث سياسات تفريغ أهلها منها وإحلال المستوطنين اليهود بديلا عنهم. فالجامعة غدت مصدر جذب للطلبة العرب والمسلمين تجاه وصوب هذه المدينة العزيزة على فؤاد كل عربي ومسلم، إذ في الجامعة ما يزيد على ثلاثة عشر ألف طالب وطالبة. كما تحمي الجيل المعاصر في المدينة المقدسة وسواها من المدن والبلدات الفلسطينية من الضياع وفقدان الذات والهوية - بضم الهاء - كما تقف أيضا سندا قويا وملاذا آمنا ودافئا لسكان المدينة المقدسة من أهلها الشرعيين عرب ومسلمسن، فتدافع عنهم وتذود عن حياضهم وحقوقهم وتقف إلى جانبهم في كل مشكلة ومعضلة وكرب، كما تتبنى قضاياهم قدر المستطاع، إذ هناك مراكز العمل المجتمعي ذات الخدمة السكانية في الجوانب المتنوعة من صحية وتربوية ونفسية واجتماعية وسياسية وأمنية وغير ذلك مما يهم المواطن المقدسي في ظل ظروفه القاهرة والقاسية والصعبة هذه الجامعة التي كانت مطمح الأمة وغاية رجالها وقادتها وزعمائها منذ بدايات الصراع على أرض فلسطين مع الإحتلال الإسرائيلي في عشرينيات القرن الماضي. وها هي بحمد الله قد رأت النور وغدت من كبرى الجامعات في الوطن العربي. إلا أنه مما يؤسف له كثيرا ويقض المضاجع ويدمي القلوب أن تكون هذه الجامعة العملاقة مع التحدي المستمر للظروف افقتصادية الحرجة التي ولدت مع ولادة هذه الجامعة ولا تزال تكتنف مسيرتها وتأخذ عليها جوهرها ولبها، حتى غدت الجامعة بكل من فيها من إدارة وعاملين وطلبة ونقابات لا تفكر إلا في الوضع الإقتصادي القاسي الذي تترنح الجامعة بسببه، هذا الوضع المرير الذي جعل لكل منسوبيها هما من كل فرج، وعسرا من كل يسر، وضيقا من كل مخرج، وإحباطا من كل أمل، ويأسا من كل فأل. هل من المعقول في ظل المال العربي والبترول العربي واليسر العربي أن يكون وضع جامعة القدس العربية والإسلامية كما نراه وكما نعيشه ونحياه؟ هل من المنطق العروبي والإسلامي ألا تستطيع جامعة المدينة المقدسة من دفع المرتبات والمستحقات الشهرية للعاملين سوى 70% أو 80% من الرواتب منذ أمد من السنين؟ هل من المسؤولية التي نحملها كعرب على أعناقنا تجاه القدس أن تبقى جامعتها - وهي أكبر مؤسسة عربية وإسلامية على هذا الثرى بعد المؤسسة الوقفية - تشكو من سوء الحال وضيق المعاش وندرة المساعدات المالية؟ هل من النبل والشهامة والكرامة أن يبقى هذا الصرح العلمي العظيم نادبا لحظه وسوء معاشه وكثرة مشكلاته في الداخل والخارج ومع موظفيه ومنسوبيه وعامليه والمال العربي لا تأكله النيران كما يقال؟ هل من الأمانة المعاصرة والتاريخية التي استؤمنت عليه أمتنا العربية والإسلامية أن يبقى جرح الجامعة الإقتصادي نازفا حتى لا يبقى فيه قطرة من الدم كي يبقى هذا الجسد حيا ونشطا وقويا؟

                  تداركونا وفي أغصاننا رمق            فلن يعود اخضرار العود إن يبسا

إنًّ جامعة القدس علاوة على العسر في دفع الرواتب الشهرية المنتظمة والمتحتمة في عنقها للعاملين منذ أمد طويل حيث تراكم عليها بسبب ذلك مستحقات بالملايين لهؤلاء العاملين الصابرين والمكافحين، فإن عليها ديونا تقدر بالملايين على أنه مبلغ لا يذكر أمام الموازنات والأموال الضخمة التي لدى أهلنا في الخليج العربي كدول وكشعوب ورجالات أعمال، ومن الممكن محسن أو رجل أعمال واحد يستطيع أن يفك أزمة هذه الجامعة ذات الرسالة المقدسة والخالدة. فكيف لو تدخلت دولة أو أحد الأمراء الفضلاء من ذوي اليسار ورجالات الأعمال كالأمير الوليد بن طلال على سبيل المثال لا الحصر؟

إنًّ مبلغا بهذا القدر لا يعتبر دينا يذكر إذا ما عملنا حجم جامعة القدس وعظم رسالتها وما الواجب الكبير والمضني الذي تقوم به هذه المؤسسة العملاقة على ثرى القدس خاصة وفلسطين عامة. إنًّ هذا المبلغ لا يكاد يذكر في حساب الموازنات للجامعات العملاقة وذات الأعباء الجليلة التي تضطلع بها المؤسسات العلمية سيما جامعة القدس الشريف. علينا أن نعلم أن رفد الجامعة وعطاءها لهو رفد وعطاء للمدينة المقدسة حاضنة المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة.

لكن هل من قارئ؟ هل من مجيب وسامع؟

*من جامعة القدس