• 6 نيسان 2015
  • أقلام مقدسية

بقلم : ناديا حرحش *

بعد خطاب ابو مازن بالقمة العربية ، وما ظننته بداية عار من مضمون الخطاب الذي ربما تمنيته بعد سماع الدعاية السابقة عن اهميته ، وبين خطاب تمنيت لو لم يكن لما احتوى بمضمونه من عار شعرته ملتصق بجلدي وتمنيت التخلص منه، اصابني هاجس استولى علي للحظات طويلة مصحوب بشعور خانق ، كالفأر المحشور بزاوية . تمنيت الهروب الى مكان لا اسمع فيه اسم وطن تناثر بين اوردتي تحت اسم فلسطين . تمنيت ان اهرب الى مكان يكون الانسان فيه جل ما يمكن احترامه . تمنيت ان اهرب الى مكان يحتضنني بدون سؤالي عن هويتي المنتمية الى فصيل او حزب او دين . تمنيت الهروب الى مكان الخيانة فيه لن تعنيني ولن تمسني. تمنيت الهروب الى مكان لا تزال فيه فلسطين اسم لقضية تحترم .
هربت بلحظات بعقلي الى السويد ، وقلت لنفسي الهائجة ، ستجمد اعاصيري الملتفة حولي برودة السويد . اريد ان اهرب الى مكان لا تخنقه الحواجز ولا تسوده تنبلة الشعوب . كانت السويد هي مكان لجوئي الذي سرعان ما استيقظت هواجسي المضطربة كالعادة وتذكرت صعوبة الامر مع اطفالي . فالشحططة الانسانية الفردية لا بد انها اسهل من تلك المصاحبة للعيال. فلم استطع رؤية نفسي والاطفال حازمين متاعنا مشردون لاجئون في برد السويد ومخيماتها الانسانية .
فطردت فكرة اللجوء الانساني الى السويد وفلت في نفسي ، لنؤجل الفكرة حتى يكبر الاطفال، فحينها استطيع ان استمتع بالتشرد واللجوء السويدي لوحدي.
الا ان شعوري الخانق بسوء الوضع الداخلي في فلسطين لم يغادرني . فحالة انعدام الحلول المنطقية البديهية اصبحت عنوان المرحلة التي يبدو انها لن تنتهي …او لن تنتهي قريبا.
فلقد مللت من الصياح كالبلهاء عن حاجتنا الماسة لانتخابات . ولن اخفي هاجسي سرا اذا ما قلت باني كقادة فتح وحماس اخشى من المجهول المترتب عن الانتخابات. فهل سأرضى بحكومة ترأسها حماس؟ هل سأرضى بقمع لحريات المرأة والعيش في ظروف تشبه حياة اهل غزة من الناحية الاجتماعية ؟ بداخلي هناك ما يخشى هذا الشق من حماس. ولكن ما ذا سيكون المجهول القادم من جهة فتح وهي تعاني من انقساماتها التي لا تنتهي اصلا ؟ فاي وجه فتحاوي معروض للرئاسة القادمة ببعض الوفاق هو اقل الشرور ضررا؟ ولكن بكل الاحوال استيقظت من هذا الهاجس لان الانتخابات لن تأتي …وان اتت ستكون عندما يأخذ الله امانته في الرئيس الحالي ، والتي لا تبدو قريبة مع كبر عمر الرجل. فما اقبح هكذا تمني .. انتظار ان يحسم عزرائيل الموقف الرتيب الحالي!!!!!
.ولقد مللت من دور البطولة الورقية مع اطفالي في المقاطعة . فنحن كمن نبصق على انفسنا ، ونعيد الكرة في لعق ما سال من لعاب . فمشهد المقاطعة المصاحب لنا في كل مرة ندخل فيها الى اي متجر كمشهد الفضائي الذي حط خطأ على الارض. اصبحنا نبدو كالاغبياء الغرباء والاهم من كل هذا ، فالمقاطعة تتطلب منا ان نكون اغتياء . فمهزلة الوضع تكمن بأن البضائع الفلسطينية التي نشكك ويشكك الجميع في جودتها اصلا باهظة الثمن . والترهيب من استعمالها احيانا يبدو وكأننا خضنا في عملية انتحارية لا نعرف مدى خسائرها . فالناس يتسابقون على البضائع الاسرائيلية ، وعروض الفيس بوك مليئة بالصور الاستجمامية بربوع اسرائيل الحديثة واسواقها.
وتلك الحرب العلنية التي عادت متمثلة على لسان ابو مازن استمرت كالخنجر تحفر باحشائي المهترئة اصلا…
وفجأة جحرت عيناي في حل آخر…
حل يقرص في جلدي كثيرا عند تأمل الوضع عادة … ويداعبني في كل مرة افكر فيها بمزايا الحياة الانعم.
قلت لنفسي المضطربة في لحظة هيجانها تلك : سأقدم للحصول على جواز اسرائيلي. للمفارقة لم افكر بكلمة جنسية ، كل ما اريده على ما يبدو جواز سفر ، او ربما تكون فكره اقتناء جواز السفر الطف على القلب الواهن . فهو ليس بالجنسية… وبينما تخترقني كلمة الجنسية بهذه اللحظة كالكلمة الصائبة ، وبينما لا زلت اقاوم الحديث هذا بصوت يعلو صوت عقلي . قررت في تلك اللحظة ان العقاب الامثل والانتقام الحق من الرئيس في خطابه ذلك هو الحصول على الجنسية الاسرائيلية .
فلما علي التشتت في بلاد السويد الباردة القارصة بمخيماتها وانتظر سنوات للحصول على جنسيتها بينما استطيع عمل هذا بينما اجلس مستريحة في بيتي واكمل حياتي . واكون كالكثيرين الذين لجأوا لهذا الخيار بعد ان ضاقت بهم السلطة اعمالا وتهميشا ، ورأوا فرصة النجاة الوحيدة في البقاء في بيوتهم هو الحصول على هذه الجنسية .
ومع اني لا زلت اصر بأن اسرائيل لن تقوى على طردنا جميعا من بيوتنا ، الا ان سياستها الممنهجة في هذا الشأن واضحة وضوح الشمس لنا ، وسيأتي يوم نصبح جميعا تحت التهديد المباشر للتشريد من ما كان قدسنا وبيتنا .
الا انني اعي تماما ثقل الاعباء التي تفرضها اسرائيل علينا ، واختلاف قدرات التحمل والامكانيات من شخص الى شخص فينا .
واعرف ان رغبتي بالهروب الى اسرائيل وجنسيتها في تلك اللحظة التي غلبها هاجس الانتقام من السلطة ترتب عليه الحلم ببعض الرفاهية من الحياة كعدم الاضطرار للتذلل من اجل الحصول على فيزا لزيارة بلد هنا او مناك .
ذلك الشعور المهين بحمل وثيقتي سفر لا يفهمها حتى صانعوها . تلك النظرات المصاحبة لكل من يتفقد تلك الوثيقة وكأن وباء حل عليه.
هناك شخص ما بداخلي يتمنى رفاهية العيش التي يتمتع بها سكان العالم الطبيعي والتي لا يملؤها مال لا املكه ولا يؤمنها شعور بالامن افتقد اليه.
في ظل هذا الضياع الذي لا يلبث يلملم اجزاءه بداخلي حتى تأتي كلمة فارهة عارية بتبديد كل ما كان من اجزائي وتناثره كأن لم يكن ، ويصبح اللجوء الى حضن المغتصب كأحسن الخيارات .
فلربما هذا هو الاصح فعلا … فكالحال في الاغتصاب الحقيقي ، تزوج الفتاة في كثير من الاحيان لمغتصبها ، قهو بالنهاية الاستر على عورتها التي فتك بها اولا وتناول العالم المحيط فتكها ومضغها بالسنته من بعده. فأشعر بنفسي بتلك المغتصبة التي رميت على قارعة الطرقات ولم تجد الا من مغتصبها ساترا لها .
فبالنهاية الستر في بيت مع بعض المزايا افضل من اللوذ للطرقات .. واسرائيل توفر لنا بالنهاية ما قصرت السلطة عن تقديمه معنويا ونفسيا بالاساس ، وبعدها رأينا انفسنا نباع ونشترى على ايدي قوادي الوطن حتى اهترينا اجسادا وارواحا ونفوسا.
ويبقى التساؤل الذي ارميه عاليا ، واعترف باني لا اتمنى حقا الوصول الى جواب عليه .. هل تصبح الجنسية الاسرائيلية هي الملاذ الحقيقي والانسب لنا في القدس ؟

*كاتبة وناشطة  مقدسية