- 16 أيلول 2012
- أقلام مقدسية
هل هو بداية نهوض أمة ؟
نبيه عويضة
هل حقا يكون العام ( 2011 ) بداية نهوض الأمة العربية من سباتها الطويل .. ويكون ما حصل حقا كما أطلقوا عليه " الربيع العربي " ؟!.
هل يشكل هروب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من تونس ، وتنحي الرئيس المصري حسني مبارك رضوخا لانتفاضة الشعب ، ومقتل العقيد الليبي معمر القذافي ، واستبدال الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بآخر حل محله ، درسا يستفيد منه كل الحكام في أي مكان في هذا العالم ، وخاصة في الوطن العربي ؟!.
هل يدرك الحكام أن لا أحد في هذه الدنيا يمكن أن يحميهم من غضبة الجماهير ، سوى أن يكونوا إلى جانب شعبهم ، يعملون من أجله ومن أجل الوطن ولإرضائه ، وليس لإرضاء الآخرين أو حماية مصالحهم وتحقيق أجنداتهم ؟!.
موقف الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي عندما رفض استقبال صديقه بن علي بعد أن لفظه شعب تونس وفر هاربا ، وبعد أن طردت فرنسا أفراد أسرة بن علي من أراضيها ، هل يشكل هذا درسا لحكام كثر في عالمنا العربي ، فيعودوا إلى شعوبهم طالبين منهم الصفح والغفران لما سببوه من أذى لهم على امتداد سنوات حكمهم البغيضة ، فينسحبوا بهدوء من الحياة السياسية ، تاركين لشعوبهم حرية اختيار وطبيعة النظام الذي يحكم ؟!.
هل ينسحب هؤلاء الحكام من المسؤولية تاركين الطريق أمام اختيار قادة آخرين عن طريق صناديق الاقتراع ، وبأسلوب ديمقراطي حقيقي ودون إراقة دماء ؟!.
هل يتخلى بعض الحكام العرب عن فكرة ، أنهم فقط من يصلحون للقيادة دون غيرهم ؟!. وهل يمنعون أفراد أسرهم والمقربين منهم من استغلال حكمهم ليعيثوا في بلدانهم فسادا وخرابا ؟!.
لماذا لا يكتفي بعض الحكام بفترة رئاسية واحدة أو إثنتين بناء على رغبة المواطن في انتخابات حرة ونزيهة ، يعود بعدها إلى بيته معززا مكرما حاملا لقب " الرئيس السابق " مع إمكانية الاستعانة بخبراته ــ إن كانت لديه خبرة ــ لمصلحة الوطن وربما على مستوى الإنسانية ، كما حصل مع عدد كبير من رؤساء دول سابقين قدموا خدمات على مستوى العالم وهم خارج الحكم الرسمي كرؤساء من أمثال نيلسون مانديلا ، جيمي كارتر ، وريتشارد نيكسون وآخرين غيرهم على امتداد التاريخ ؟!.
هذه الأسئلة وغيرها الكثير، مما يدور في أذهان المواطنين العرب ، تعود من جديد لتثور وبقوة بعد ما حصل في تونس ومصر وليبيا واليمن ، وأحداث ما زالت تجري في عدد من الدول العربية حتى الآن ، وجميعها تصطدم بسؤال واحد جدير بالبحث عن إجابة له وهو : لماذا لا يعمل بعض هؤلاء الحكام على نشر الديمقراطية في بلادهم ، ويفتحون الآفاق رحبة أمام شعوبهم لتنعم بالحرية بشتى أشكالها وأنواعها ، ولماذا يصرون أن يبقى أبناء الأسرة الواحدة والمقربون هم المتحكمون وأصحاب السلطة ؟! .
لماذا لا يتنازل بعض الحكام العرب عن قمة المسؤولية طواعية ، إما بالتنازل والانسحاب ، أو بعدم الترشح مرة أخرى بعد انتهاء مدة ولايتهم ، وإعطاء المجال للشعب لاختيار من يشاء ليقود البلاد ؟!.
لماذا لا يعمل كل منهم على صياغة دستور جديد لبلاده يقره الشعب ، و يتوافق مع روح العصر الذي نعيش ، ويتضمن في بنوده كل ما يحقق لشعبه من حرية وعدالة اجتماعية ومساواة وأمن وأمان ويحدد طبيعة نظام الحكم ، ومدة الفترة الرئاسية ... إلخ ؟!.
لماذا لا يتم إجراء انتخابات برلمانية حرة ونزيهة وشفافة ، يحدد الشعب من خلالها الجهة أو الجهات التي تمثله ، وبمشاركة واسعة من جانب المعارضة الوطنية التي تعمل من أجل النهوض بالوطن وبنائه وتطوره واستقراره ، وفي الوقت ذاته ترفض تدميره وتخريبه ، بالمشاركة في الانتخابات بكل حرية ؟!.
و لماذا بعض المعارضين يرفضون المشاركة الفاعلة في مثل هذه الانتخابات التي تكفل لهم الحماية والحرية ، ويصرون على اتباع طريق العنف والتدمير ، والاستقواء بالأجنبي وبالمرتزقة وسيلة لتغيير أنظمة الحكم ؟!.
لا شك أن بعض الرافضين لمغادرة كرسي الرئاسة ، يعلمون جيدا أن مغادرتهم هذه ستكلفهم الكثير ، بسبب ما ارتكبوه بحق وطنهم وشعبهم طيلة فترة حكمهم من أعمال قتل واعتقالات ، ومصادرة للحريات ، وتسليم مقدرات الوطن للأجنبي مقابل عمولات يتقاضونها ويضيفونها إلى أرصدتهم التي يكدسونها في البنوك الأجنبية حتى لا يكتشف أمرهم ، وبذلك يحرمون الوطن حتى من الاستفادة من تشغيل هذه الأموال المسروقة في البنوك الوطنية ، أو استثمارها في تمويل مشاريع للتنمية تساهم في رفع مستوى المعيشة في بلادهم ؟!. كل هذا يدفع بهم إلى التنازل عن عزة وكرامة شعوبهم وأوطانهم للغير، مقابل البقاء أذلاء خانعين على كراسي حكم بلا أرجل ، ينفذون الأوامر التي تفرض عليهم من الخارج ، وجميعها ضد مصلحة الشعب والوطن ، هذا إضافة إلى بطانة السوء التي عملت معهم ، والتي تضغط عليهم و تحثهم على التمسك بالسلطة ، حماية لمصالحها ، وإخفاء للفساد الذي ساهمت في زراعته ورعايته واستفادت منه ، خوفا من غضبة الجماهير ؟!.
إن ما جرى في بعض الدول العربية ، منذ العام 2011 وحتى الآن ، والتغييرات التي حدثت ، تؤكد أن الشعب العربي في هذه الدول ، استطاع أن يكسر حاجز الخوف الذي كان يسيطر عليه ، وتمكن من اقتلاع أنظمة ديكتاتورية حكمته لعشرات السنين ، ومنعته من التمتع بالحرية بكل أشكالها . أنظمة ... كان البعض يعتقد أنها تجذَرت ومن المستحيل اقتلاعها ، فإذا بهذه الشعوب تنتفض ، وتظهر معدنها الأصيل ، وتقول للجميع ، بعد الآن ، لن نسمح لأي كان أن يصادر حريتنا ، ولن تكون أوطاننا ومقدراتنا إلا لنا ولأبنائنا من بعدنا ، وسنحميها بأرواحنا ودمائنا ، ونحن فقط الذين نختار قيادتنا والأحزاب التي تمثلنا بملء حريتنا وإرادتنا .
قد لا نشعر الآن بعظم ما تحقق ، بسبب ما يجري هنا وهناك ، ومحاولة الأجنبي عقد صفقات مع هذه الجهة أو تلك ، في هذه الدولة أو تلك ، لرسم السياسات التي تتفق ومصالحه. ولكن المطلوب من الجميع ، التمسك بروح الثورة التي انطلقت في العام 2011 وبمبادئها وثوابتها ، والتأكيد على استمرار شعلتها متقدة ، وعدم السماح لأي جهة ، أيا تكن ، من إطفاء جذوتها ، والعودة إلى اتباع طريق الحكم الديكتاتوري كما الأنظمة السابقة ، مع العمل للحفاظ على الدول ومؤسساتها وهياكلها ، وحماية النسيج الاجتماعي المتماسك الذي يحمي الوطن ، وعدم السماح لأي كان بتدمير ذلك ، والسعي معا ، يدا بيد ، وكتفا إلى كتف ، لتحقيق التغيير الذي تريده الشعوب ، نحو مستقبل مشرق من خلال الوسائل السلمية ، و عبر صناديق الاقتراع .

