• 29 آب 2015
  • أقلام مقدسية

 بقلم : يوسف محمود

الراحل الأردني الكبير ذوقان الهنداوي شأنه شأن الكثيرين من الرموز الوطنية في هذا البلد عاش النكبة الفلسطينية بكل فواجعها واحزانها. وفياً لقضية العرب الأولى على امتداد حياته.
في كتابه الموجز «القضية الفلسطينية» الذي نُشر عام 1975 أي بعد هزيمة 1967 التي –وكما يورد في كتابه ص 182- «كشفت حرب حزيران عن فشل نظامنا العسكري والاجتماعي والتربوي ووضح في كثير من البلاد العربية ضعف اسلحة وتدريب وحماس الجيوش العربية، وكان هذا كله مدعاة لإعادة النظر في كل مؤسسات المجتمع». حتى هذه «الاعادة» مع الاسف لم تتم.
استعرض ذوقان الهنداوي – رحمه الله- تطورات القضية الفلسطينية منذ البدايات. أدرك خطورة التحالف الغربي الاستعماري مع إسرائيل ونبّه العرب على ضرورة مقاومته، في كتابه أتى على دوافع بريطانيا لاصدار وعد بلفور عام 1917، فرأى إنها هدفت «أن تكون فلسطين محمية تخضع للنفوذ البريطاني وبهذا تستطيع ان تحمي مركزها في قناة السويس». وفي تفنيده لبطلان هذا الوعد المشؤوم يقول «ان وعد بلفور يتضارب مع المعاهدة الانجليزية- العربية التي تمثلت في مراسلات الحسين –مكماهون والتي سبقت الوعد بمدة عام ونصف». ص 67.
وهنا بدوري اقول متى كان المستعمر يبرّ بوعوده التي ما زلنا نسمعها منه حول ضرورة حل القضية الفلسطينية واقامة الدولة المستقلة على التراب الفلسطيني المحتل عام 1967! تحدث المؤلف عن جميع المؤتمرات التي عقدت لاقتسام البلاد العربية بين الدول الاستعمارية التي راحت تزعم انها اختارت الوصاية على هذه البلاد لترفع شعوبها الى مستوى الامم الراقية «كذا»!
يدحض ذوقان الهنداوي هذه المزاعم الخبيثة «فالعرب وهم اصحاب البلاد لم يختاروا بريطانيا مُنتدبة عليهم، بل كان اختيارها وليد رغبة صهيونية تمسكت بها بريطانيا بحافز من اطماعها ومصلحتها، ووافقت عليها عصبة الامم». المرجع السابق ص 74.
ومنذ هذه «الوصاية» البريطانية بدأت بريطانيا في اتباع سياسة تهويد فلسطين ضاربة عرض الحائط بكل تعهداتها السابقة للعرب بمنحهم حق الاستقلال!. وفي مرحلة لاحقة تدخل امريكا على الخط لتنشط مع بريطانيا في تهميش المطالبات العربية المشروعة بايقاف الخطر الصهيوني بل وفي انكارها!.
كل شيء كان خططاً له من قبل بريطانيا وأمريكا وفرنسا، ان تقام دولة يهودية على التراب الفلسطيني تخدم المصالح الاستعمارية في العالم العربي وهذا ما كان!.
في كتابه يشير الراحل ذوقان الهنداوي إلى نوايا إسرائيل التوسعية والتمدّد خارج فلسطين، فالزعيم الصهيوني نورمان ينتويش يقول في كتابه «فلسطين اليهود»: «لا حاجة لأن تكون فلسطين في المستقبل محدودة بحدودها التاريخية، ففي إمكان المدنية اليهودية الامتداد الى جميع البلاد التي وُعدوا بها في التوراة من البحر الأبيض المتوسط حتى الفرات ومن لبنان حتى مصر. هذه هي البلاد التي أُعطيت للشعب المختار».
أما بن غوريون، ففي بيانه الرسمي الذي أذاعه على شعبه في اليوم الأول لقيام اسرائيل فيقول متبجحاً: «تتميز دولتنا بأنها الوحيدة التي لا تعتبر غاية في ذاتها بل هي وسيلة فقط لتحقيق رسالة الصهيونية. ليست هذه هي نهاية كفاحنا، بل اننا اليوم قد بدأنا وعلينا ان نمضي حتى تتحقق قيام الدولة التي جاهدنا في سبيلها «من النيل الى الفرات»». أما الزعيم الصهيوني الآخر «جابوتنسكي» فيقول بعنجهية.: إن هدف الصهيونية بعد أن تمكن نفسها في فلسطين ان تطرد العرب من شرق الأردن لتقيم الدولة اليهودية على ضفتي الأردن أولاً، ثم تمتد إلى ما وراء حدودها». (ذوقان الهنداوي: المرجع السابق ص 49).
ما معنى كل هذا؟ معناه أننا كعرب ومسلمين أمام مخطط صهيوني/امبريالي لمنح إسرائيل الفرصة لتحقيق اطماعها في السيطرة على كل الأرض العربية دون استثناء.
لقد حذر الراحل الهنداوي في كتابه من تنفيذ هذا المخطط داعياً العرب إلى نبذ الخلافات الجانبية وتحقيق الوحدة العربية.
ومع الأسف رحل صاحب هذه القامة الشامخة دون أن يرى حلمه الكبير قد تجسد على الأرض. رحل هذا الوطني الغيور وهو يحلم بمستقبل عربي مشرق تعيشه الشعوب العربية في رفاهية وسلام وقد حباها الله من الامكانات والموارد الاقتصادية ما مِن شأنه ان يوفر لها كل هذا.
رحل ذوقان الهنداوي دون ان تكتحل عيناه بوحدة عربية عشقها منذ شبابه الباكر. اضناه المرض فغادر مبكياً على رحيله. ناضل بهمة من اجل الوحدة لكن الفارس ترجَّل عن فرسه قبل تحقيق هذه الأمنية.
أقول لروح ذوقان لقد عُدنا أو عاد الكثيرون منا الى «روح الجاهلية» قبائل وطوائف وعشائر تتناحر بينما عدوها يتفرج!
«عبس وذبيان» «داحس والغبراء» «وقابيل وهابيل» كلهم حاضرون اليوم!
عروبتنا منقسمة على نفسها، ندّعي «العروبة» او يدّعيها الكثيرون، بينما هم يعقوّنها، يبيعونها في سوق النخاسة

*عن الراي الارنية